صحف وتقارير

الدهابة في كمّاشة مصر: حملة عسكرية بإحداثيات وطنية.. وحرب إعلامية بسجلات مزيفة”

عمرو بسيوني 

على الحدود الجنوبية لمصر، حيث تمتد سلاسل جبال الصحراء الشرقية في صمت، تخوض الدولة المصرية معركة شرسة لا يعرف عنها الكثيرون. إنها حرب ضد عصابات “الدهابة” المسلحة، تلك الجماعات التي حولت التنقيب غير المشروع عن الذهب إلى اقتصاد موازٍ يهدد الأمن القومي، وتداخلت فيها أطماع ميليشيات الدعم السريع السودانية بمحاولات إعلامية ممنهجة لضرب العلاقات بين الشعبين المصري والسوداني. هذا التحقيق يرصد تفاصيل المواجهة العسكرية والأبعاد السياسية والإعلامية لها، بناءً على معلومات ميدانية وبيانات رسمية وتحليلات استخباراتية مفتوحة المصدر.

 

لم تعد ظاهرة “الدهابة” مجرد تنقيب عشوائي يمارسه أبناء الصعيد بحثاً عن لقمة العيش، بل تحولت إلى شبكات إجرامية منظمة تمتهن سرقة الذهب من المناجم المصرية، مستغلة التضاريس الوعرة والحدود الممتدة مع السودان. يقول تحقيق ميداني في المنطقة إنه حينما يظهر حجر المرو، تفاجأ العصابات المسلحة بالهجوم ليلاً وإجبار المنقبين على ترك الموقع، كما تظهر شركات وهمية تدّعي ملكيتها للمواقع وتأتي برفقة أفراد مسلحين يشهرون أسلحتهم في وجوه المواطنين. وهذه العصابات لم تعد تقتصر على مصريين أو سودانيين، بل تضم جنسيات من جنوب السودان وتشاد والنيجر ودول أفريقية أخرى، مما يحول المنطقة إلى بؤرة للجريمة العابرة للحدود.

 

في قلب هذه المواجهة يقع جبل إيقات، أحد أهم مناجم الذهب في مصر، والذي يقع بالكامل داخل الأراضي المصرية شمال خط العرض 22. تقدر احتياطيات المنجم بنحو 1.4 مليون أوقية من الذهب، ومن المقرر أن يبدأ الإنتاج فيه قريباً. هذا الكنز المصري الخالص هو ما دفع العصابات للتسلل إلى المنطقة ومحاولة السيطرة عليها، مستغلة غياب الرقابة الأمنية الفعالة في سنوات سابقة. وقبل أيام، نفذت القوات المسلحة المصرية حملة عسكرية واسعة بالتعاون مع وزارة الداخلية، استهدفت أوكار الدهابة في منطقة جبل إيقات وجبل حريق وعقبة دقينة، باستخدام طائرات ميغ ومروحيات أباتشي وطائرات مكافحة التمرد. وأسفرت الحملة عن القبض على 213 عنصراً من الدهابة المتسللين، وتدمير آلاف الطواحين والمعدات المستخدمة في التنقيب غير المشروع، والتحفظ على عشرات سيارات الدفع الرباعي وأجهزة لاسلكي وأسلحة وذخائر، وإحباط محاولات تهريب بمليارات الجنيهات. وقد أكد تحليل “صحيح مصر” باستخدام صور الأقمار الصناعية أن جميع المواقع المستهدفة تقع داخل العمق المصري، على بُعد 9 كيلومترات شمال خط الحدود الدولي.

 

بالتزامن مع الضربات العسكرية، انطلقت حملة إعلامية ممنهجة من قبل ميليشيا الدعم السريع والجنجويد، عبر لجانها الإلكترونية على وسائل التواصل الاجتماعي، زعمت فيها أن الطيران المصري اخترق الأراضي السودانية وقصف مدنيين، وتحدثت عن مئات القتلى والجرحى. هذه الحملة، التي وصفتها التحليلات بأنها هجوم كاذب، استهدفت تحقيق هدفين أساسيين، أولهما إحراج الدولة المصرية وتصويرها كقوة معتدية على السودان طماعة في ثرواته، وثانيهما إظهار الجيش السوداني بمظهر الضعيف العاجز عن حماية حدوده لإضعاف شرعيته في مواجهة الميليشيا. ورغم محاولات التضليل، كشفت التطورات اللاحقة عن حقيقة الموقف، إذ تم التأكيد رسمياً على أن العملية العسكرية المصرية تمت بتنسيق كامل مع الحكومة السودانية والجيش السوداني، نظراً لأن العصابات تمثل خطراً مشتركاً على البلدين. وخرج مستشار رئيس مجلس السيادة السوداني ليؤكد أن تصرف مصر طبيعي لحماية حدودها ومنع اعتداءات المهربين المسلحين.

 

معركة مصر ضد الدهابة ليست مجرد حملة أمنية، بل هي حماية للثروة القومية وردع لأطماع عصابات عابرة للحدود، وكشف لمحاولات إقليمية تستهدف زعزعة الاستقرار في أمن مصر والسودان معاً. في هذه المعركة، يثبت الجيش المصري مرة أخرى أنه حامي حدود الوطن، وأن أي يد تمتد إلى شبر واحد من أرض مصر ستُقطع، مهما كان حجم الدعم الإعلامي أو العسكري الذي

تقف وراءه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock