تظل الأم والأب، مهما تقدم بهما العمر، هما الوتر الحساس في حياة الإنسان، ومصدر الأمان الذي لا ينضب.
لكن هذا الدور يتضخم ويتجذر ليصبح عمود الخيمة الوحيد في حياة الشخص المعاق، الذي قد لا يمتلك أدوات التأقلم أو القدرة على إدارة شؤونه الذاتية بالكامل، مهما كبر سنه.
عندما يغيب هذا السند برحيل الوالدين، يبدأ فصل جديد من المعاناة، يضاعف قسوته غياب الدفء الأُخوي وتخلي الإخوة الأصحاء عن مسؤولياتهم.
رحيل الوالدين هو في حد ذاته فاجعة، تترك ندوبًا عميقة من الحزن والصدمة. لكن بالنسبة للشخص المعاق، فإن هذا الفقد يكون “فقدًا مزدوجًا”: يفتقد العلاقة الفريدة التي بناها مع والديه، وهي مزيج من الحب غير المشروط والرعاية المتفانية، وفي الوقت نفسه، ينهار الروتين اليومي ونظام الحياة الذي أقامه الوالدان بعناية فائقة.
يصبح المعاق فجأة في مهب عاصفة التغيير وعدم اليقين، فقد فقد ليس فقط الحنان بل نظام أمانه بالكامل.
أما على الصعيد القانوني والمالي، فإن وفاة الوالدين تفتح ملفات معقدة تؤدي غالبًا إلى تفاقم أزمة الشخص المعاق.
في غياب التخطيط المسبق، تبرز قضايا الوصاية القانونية، حيث يصبح الأمر ضروريًا تعيين وصي شرعي (قد يكون أحد الإخوة أو جهة معنية) لإدارة شؤونه الصحية والمالية والعقود الخاصة به، خصوصاً في حالات الإعاقة الذهنية أو العجز التام. وتتضاعف التحديات مع مسألة الميراث والأموال.
فغالبًا ما يتم خلط التركة بين احتياجات المعاق وبين تقسيم الميراث العادي بين الورثة، وقد يؤدي الخلاف على تصفية الممتلكات إلى حرمان الشخص المعاق من حق مالي يكفل له استمرار الرعاية، خاصة وأن تكلفة الرعاية المتخصصة والأدوية والأجهزة باهظة وتتطلب تدفقاً مالياً مستداماً، وهو ما يغيب في ظل غياب “صندوق خاص” (Special Needs Trust) أو وصية واضحة تضمن استقلالية مصادر دخله.
في غياب الوالدين، يصبح الإخوة والأخوات الأصحاء هم الورثة الطبيعيون للمسؤولية، وهنا تكمن القسوة الأشد والأكثر إيلامًا. بدلًا من أن يصبحوا الجدار الجديد الذي يحمي أخاهم أو أختهم المعاقة، يتحول بعضهم إلى مصدر للإهمال والخذلان.
يُفترض أن يكون الأخ سندًا وحضنًا، يملأ ولو جزءًا يسيرًا من الفراغ العاطفي لوالديه، لكن الواقع يشي أحيانًا ببرود عاطفي، وتحول العلاقة إلى عبء واجب يُؤدّى على مضض، أو حتى انقطاع تام عن السؤال.
الأسوأ من ذلك هو التنصل من المسؤولية الكاملة، سواء كانت رعاية يومية أو دعمًا ماديًا، بحجة الانشغال بالحياة أو العائلة. يبدأ كل منهم بإلقاء العبء على الآخر، وفي خضم هذا التنازع، يضيع الشخص المعاق، وقد يُنقل إلى دور رعاية متخصصة ليس خيارًا يُحسّن وضعه، بل تهربًا من الالتزام الأخوي والإنساني.
إن الشخص المعاق ليس مجرد “حالة” طبية؛ إنه إنسان يدرك ويشعر بالحاجة إلى الأمان والحب. مهما كبر سنه، يظل بحاجة ماسة إلى لمسة أخ أو أخت تذكره بدفء العائلة.
إن مسؤولية رعايته بعد الوالدين هي عهد إنساني وشرعي، وليس مجرد خدمة.
يجب على كل أخ وأخت أن يتذكر أن: رعاية هذا الفرد هي امتداد لبر الوالدين، وهي اختبار حقيقي لنبل النفس والضمير.
إما أن نكون خير خلف لخير سلف، أو نكون سببًا في مأساة صامتة لروح بريئة.
إن بناء جسر من الحب والمسؤولية المشتركة هو السبيل الوحيد لضمان أن يظل الشخص المعاق يعيش بكرامة، وأن يجد في قلوب إخوته ما فقده برحيل والديه.