
في عصر السرعة الرقمية، لم تعد الحقيقة وحدها كافية للانتشار، بل أصبحت خاضعة لمعادلة جديدة تحكمها المشاهدات والتفاعل. فالسوشيال ميديا، التي كان يُفترض أن تكون منصة لنقل الوعي والمعرفة، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة مفتوحة لتضخيم الأحداث، حتى أبسطها، وتحويلها إلى “تريند” يدر أرباحًا دون الالتفات إلى دقة المحتوى أو تأثيره على المجتمع.
اقتصاد المشاهدات: من نقل الواقع إلى صناعته
اليوم، لم يعد صانع المحتوى ناقلًا للحدث فقط، بل أصبح في بعض الأحيان صانعًا له أو مضخمًا لتفاصيله.
فكلما كان المحتوى مثيرًا للجدل أو عاطفيًا، زادت فرص انتشاره، وبالتالي ارتفعت الأرباح الناتجة عن الإعلانات والتفاعل.
هذه المعادلة دفعت البعض إلى البحث عن “اللقطة” وليس “الحقيقة”، وهو ما خلق حالة من السباق المحموم على جذب الانتباه بأي وسيلة.
حادثة “الطالبة والفول”: نموذج للتضخيم الرقمي فخلال الفترة الأخيرة، تحولت واقعة بسيطة عُرفت إعلاميًا بـ”حادثة الطالبة والفول” إلى واحدة من أكثر الموضوعات تداولًا على منصات التواصل.
ورغم أن الواقعة في أصلها محدودة، فإنها تضخمت بشكل كبير عبر إعادة النشر، والتعليقات المبالغ فيها، وتحويلها إلى قضية رأي عام.
ما حدث يكشف بوضوح كيف يمكن للسوشيال ميديا أن: تعيد تشكيل الحدث وتضخمه وتضيف إليه تفسيرات غير دقيقة وتدفع الجمهور إلى التفاعل بناءً على روايات غير مكتملة
في النهاية، لم يعد الجمهور يتعامل مع الواقعة نفسها، بل مع “نسخة رقمية” منها تم تشكيلها وفق منطق التريند.
الخوارزميات: الوقود الحقيقي للتريند حيث تعتمد منصات التواصل على خوارزميات تروّج للمحتوى الأكثر تفاعلًا، بغض النظر عن دقته.
وهذا يعني أن: المحتوى المثير أو الغاضب أو الصادم يحصل على الأولوية… حتى لو كان مضللًا أو مبالغًا فيه.
وبالتالي، فإن أي واقعة مهما كانت بسيطة يمكن أن تتحول إلى أزمة مجتمعية إذا وجدت الزخم الكافي.
هذا النمط من التناول يترك آثارًا واضحة، من أبرزها: تشويش الوعي العام: حيث تختلط الحقائق بالآراء والانطباعات
خلق أزمات وهمية: نتيجة تضخيم أحداث عادية
تراجع الثقة: في المحتوى الإعلامي بشكل عام
الانشغال بالقشور: بدلًا من القضايا الحقيقية الأكثر أهمية
كما يؤدي ذلك إلى حالة من “الإرهاق المعلوماتي”، حيث يتعرض المستخدم لسيل من الأخبار المتضاربة دون القدرة على التحقق منها.
وأرى ان بين حرية النشر ومسؤولية التأثير
السوشيال ميديا ليست المشكلة في حد ذاتها، بل طريقة استخدامها.
فحرية النشر لا تعني غياب المسؤولية، خاصة في ظل التأثير الكبير لهذه المنصات على الرأي العام.
حادثة “الطالبة والفول” ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، لكنها مثال واضح على كيف يمكن للتريند أن يصنع قضية من لا شيء، ويعيد توجيه اهتمام المجتمع بعيدًا عن أولوياته الحقيقية.
الخلاصة : نحن أمام واقع إعلامي جديد، تتحكم فيه الخوارزميات أكثر من القيم المهنية.
وفي هذا الواقع، قد تتحول أبسط التفاصيل إلى قضية كبرى… فقط لأنها جذبت الانتباه.
ويبقى السؤال الأهم:
هل نملك القدرة على التمييز بين الحقيقة والتريند… أم أصبحنا جزءًا من لعبة المشاهدات؟



