
لقد حذر رسولنا الكريم المصطفى صلي الله عليه وسلم أشد تحذير من عدم الإتباع الأعمي للغير، وعدم الإنسياق الضال الذي لا هدف له ولا فائده منه، فقال صلي الله عليه وسلم “لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا” بهذا إرتفع الإسلام بموقف الإنسان، بحيث يكون له موقفه المحدد، ويكون له قراره الخاص، ويكون له رأيه المعلن، ليس تابعا لفرد ولا مجموعة، بحيث تفقده عقله ورشده، وتفكر عوضا عنه، فتتخذ له قراره هو، ولا يتخذه لنفسه، وهذا ما يشيع وينتشر فى البلاد التى تفقد فيها الحريات العامة، وبعض الناس فيها مسوقون إلى ما يراد لهم، لا إلى ما يريدون هم لأنفسهم، فكلهم غدوا إمّعات، مع ما يريده الفرعون، وليس مع ما يراه عقله هو، يُكذب الأنبياء إذا كذبهم السلطان، ويصدّق الشيطان إذا صدّق الناس الشيطان، وتقوم دعوة الإسلام وتربية الإسلام.
وتشريع الإسلام، على أن يعيش الناس كما خلقهم الله، بعقولهم، ومواهبهم وضمائرهم، فقد أنزل الله كتابه، وبعث رسله، وخلق كونه، ومنح قوانينه، لقوم يعقلون، ولأولى الألباب، فهذا هو الطفيل ابن عمرو الدوسي يرفض التبعية للمجتمع ويستجيب لصوت العقل، فيحكي عن نفسه فيقول كنت رجلا شاعرا سيدا في قومي، فقدمت مكة، فمشيت إلى رجالات قريش، فقالوا إنك امرؤ شاعر، سيد، وإنا قد خشينا أن يلقاك هذا الرجل فيصيبك ببعض حديثه، فإنما حديثه كالسحر، فاحذره أن يدخل عليك، وعلى قومك ما أدخل علينا، فإنه فرق بين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وابنه، فوالله ما زالوا يحدثوني شأنه وينهوني أن أسمع منه حتى قلت والله لا أدخل المسجد إلا وأنا ساد أذني قال فعمدت إلى أذني فحشوتها كرسفا، ثم غدوت إلى المسجد، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم قائما في المسجد، فقمت قريبا منه، وأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فقلت في نفسي والله إن هذا للعجز.
وإني امرؤ ثبت ما تخفى علي الأمور حسنها وقبيحها، والله لأسمعن منه، فإن كان أمره رشدا أخذت منه، وإلا اجتنبته، فنزعت الكرسفة، فلم أسمع قط كلاما أحسن من كلام يتكلم به، فقلت يا سبحان الله ما سمعت كاليوم لفظا أحسن ولا أجمل منه، فلما انصرف تبعته، فدخلت معه بيته، فقلت يا محمد إن قومك جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا، فأخبرته بما قالوا، وقد أبى الله إلا أن أسمعني منك ما تقول، وقد وقع في نفسي أنه حق، فاعرض علي دينك فعرض علي الإسلام، فأسلمت، فإن أهل العلم هم الشهداء مع الملائكة على وحدانية الله تعالى، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بين لنا أن ثواب طالب العلم، كثواب المجاهد في سبيل الله ، فمما لا بد أن يعلم أن الله تبارك وتعالى جعل للمجاهدين في سبيله في الجنة مائة درجة ما بين درجة ودرجة كما بين السماء والأرض، هذه المائة درجة للمجاهدين في سبيل الله، فهذه الآيات وتلك الأحاديث.
وهذه البشارات تحث المؤمنين وتدفعهم على الحرص والرغبة في طلب العلم والاجتهاد في تحصيله ونفع الناس به، فينتفع وينفع، يريد ما عند الله جل وعلا، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ” فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم” فكونه يهتدي على يديه واحد أو جماعة خير عظيم، فمن دل على خير فله مثل أجر فاعله، فهذا هو محمد عبد الله ورسوله الموصوف بنبي الرحمة، والمؤنس للفقراء والضعفاء، فاللهم صلي عليه صلاة ذاكية نامية ما دامت الأرض والسماء، روي عن عطاء رضي الله عنه قال قلت لعبد الله بن عمرو أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال أجل والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن ” يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر.
ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا ” رواه البخاري، وهو صلى الله عليه وسلم الذي كان كل طعام تيسر من الحلال فهو طعامه صلى الله عليه وسلم وكل فراش أتيح فهو وطاؤه صلى الله عليه وسلم وكل فرد أقبل فهو جليسه صلى الله عليه وسلم، فما تكلف مفقودا، ولا رد موجودا ولا عاب طعاما ولا تجنب شيئا قط لطيبه، لا طعاما ولا شرابا ولا فراشا ولا كساء، بل كان صلى الله عليه وسلم يحب الطيب ولكن لا يتكلفه.



