صحف وتقارير

الدعم النقدي .. بين حلم العدالة ومخاوف الغلاء

بقلم احمد شتيه 

 

 

في ظل الضغوط الاقتصادية العالمية وارتفاع تكلفة الدعم على الموازنة العامة، عاد ملف تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي ليتصدر المشهد داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية في مصر، باعتباره أحد أكثر القرارات تأثيرًا على حياة المواطنين خلال السنوات المقبلة.

وبين مؤيد يرى فيه خطوة ضرورية للإصلاح الاقتصادي وتحقيق العدالة، ومعارض يخشى من تداعياته الاجتماعية وارتفاع معدلات التضخم، يبقى السؤال الأهم: هل أصبحت مصر جاهزة فعليًا لتطبيق الدعم النقدي؟

 

ويأتى السؤال المهم لماذا تفكر الحكومة في التحول للدعم النقدي؟

على مدار عقود، اعتمدت الدولة على منظومة الدعم العيني، خاصة في الخبز والسلع التموينية والطاقة، بهدف ضمان وصول السلع الأساسية للمواطنين بأسعار منخفضة. لكن مع مرور الوقت، ظهرت تحديات كبيرة أبرزها تسرب الدعم لغير المستحقين، ووجود حلقات فساد وهدر داخل بعض المنظومات، إلى جانب ارتفاع التكلفة السنوية للدعم بشكل ضخم.

وترى الحكومة أن الدعم النقدي قد يكون أكثر كفاءة، لأنه يمنح المواطن حرية اختيار احتياجاته بدلًا من فرض سلع بعينها عليه، كما يساهم في تقليل الفاقد وإحكام الرقابة على الأموال المخصصة للدعم.

 

التحول إلى الدعم النقدي لا يُنظر إليه باعتباره مجرد تعديل إداري، بل خطوة اقتصادية كبيرة قد تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمواطن في ملف الحماية الاجتماعية.

ومن أبرز المكاسب المتوقعة:

توجيه الدعم لمستحقيه الحقيقيين بشكل أدق.

تقليل الهدر الناتج عن تسرب السلع المدعمة للسوق السوداء.

تخفيف الأعباء المالية على الدولة تدريجيًا.

تعزيز الشمول المالي واستخدام الوسائل الرقمية في صرف الدعم.

منح المواطن مرونة أكبر في إدارة احتياجات أسرته.

كما أن المؤسسات الاقتصادية الدولية ترى أن الدعم النقدي أكثر عدالة من الدعم السلعي، لأنه يقلل التشوهات السعرية داخل الأسواق.

 

رغم الحديث المتزايد عن التحول، فإن التطبيق الكامل للدعم النقدي يظل ملفًا شديد الحساسية، خاصة أن ملايين الأسر المصرية تعتمد بصورة مباشرة على الدعم التمويني والخبز.

نجاح القرار يتوقف على عدة عوامل أساسية، أهمها:

أولًا: قاعدة بيانات دقيقة

أي خطأ في تحديد المستحقين قد يؤدي إلى خروج أسر فقيرة من المنظومة أو حصول غير المستحقين على الدعم، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا.

ثانيًا: السيطرة على الأسعار

الخطر الأكبر يتمثل في ارتفاع الأسعار بشكل متسارع بعد تحرير الدعم العيني، ما قد يؤدي إلى تآكل قيمة الدعم النقدي سريعًا.

ثالثًا: توفير حماية اجتماعية موازية

لا يمكن تطبيق القرار دون وجود برامج دعم قوية للفئات الأكثر احتياجًا، خاصة أصحاب الدخول المحدودة وكبار السن.

رابعًا: التدرج في التنفيذ

الخبراء يرون أن التحول المفاجئ قد يسبب صدمة اجتماعية، لذلك فإن التطبيق التدريجي يبدو الخيار الأقرب للنجاح.

التحديات التي قد تواجه الحكومة

رغم المميزات النظرية للدعم النقدي، فإن الواقع العملي يحمل تحديات معقدة، أبرزها:

ارتفاع معدلات التضخم بصورة مستمرة.

تراجع القوة الشرائية للجنيه.

احتمالية استغلال بعض التجار للقرار في رفع الأسعار.

التخوف الشعبي من فقدان الدعم بشكل غير مباشر.

صعوبة تحديد قيمة نقدية عادلة تتناسب مع تغيرات السوق اليومية.

كما أن بعض الخبراء يحذرون من أن الدعم النقدي إذا لم يتم تحديث قيمته باستمرار، فقد يتحول إلى عبء إضافي على المواطن بدلًا من كونه وسيلة حماية.

 

ويرى المؤيدون أن النظام الجديد يحمل مزايا عديدة، منها:

تحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية.

القضاء على طوابير السلع والأزمات التموينية.

تقليل الفساد المرتبط بتداول السلع المدعمة.

إعطاء المواطن حرية الاختيار.

دعم التحول الرقمي وتقليل التعامل النقدي التقليدي.

 

في المقابل، هناك مخاوف حقيقية لا يمكن تجاهلها، أبرزها:

فقدان السيطرة على أسعار السلع الأساسية.

انخفاض القيمة الفعلية للدعم مع التضخم.

زيادة العبء على الأسر الفقيرة حال ارتفاع الأسعار.

احتمالية حدوث اضطرابات اجتماعية إذا لم تتم إدارة الملف بحذر.

كما يرى البعض أن الدعم العيني، رغم عيوبه، يمنح المواطن نوعًا من الأمان الغذائي المباشر، وهو ما قد لا يوفره الدعم النقدي بنفس الكفاءة.

بين الإصلاح والحماية الاجتماعية

الحكومة تبدو أمام معادلة صعبة؛ فهي تسعى لإصلاح اقتصادي يخفف الأعباء عن الموازنة، وفي الوقت نفسه مطالبة بالحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وحماية الفئات الأكثر احتياجًا.

ويبقى نجاح التحول من الدعم العيني إلى النقدي مرتبطًا بقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وهي معادلة تحتاج إلى تخطيط دقيق وحوار مجتمعي واسع قبل اتخاذ أي خطوات نهائية.

وفي النهاية، فإن القضية لا تتعلق فقط بطريقة تقديم الدعم، بل بكيفية ضمان حياة كريمة للمواطن في ظل ظروف اقتصادية عالمية ومحلية شديدة التعقيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock