
الحمد لله رب العالمين، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
في حياة الأمم كما في حياة الأفراد، لا يمكن أن يستقيم الحاضر دون جذور تمتد إلى الماضي، ولا أن ينهض بناء شامخ دون أساس متين. فالشجرة لا تؤتي ثمارها إلا إذا رسخت جذورها في الأرض، وكذلك الأمم لا تحافظ على هويتها ومكانتها إلا إذا حفظت تاريخها واستوعبت دروسه وعبرت منه إلى مستقبلها.
وأمة الإسلام من أعرق الأمم تاريخًا وأغناها بالقدوات والنماذج المضيئة. فقد حمل رجالها الأوائل رسالة الإسلام بقلوب مؤمنة وعقول واعية، فلم ينظروا إليه على أنه مجرد أفكار أو شعارات، بل اعتبروه منهج حياة متكاملًا يجمع بين العقيدة والعبادة والأخلاق والسلوك والعمل.
لقد تربى الجيل الأول من المسلمين على يد النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا خير قدوة للأجيال اللاحقة. علموا فعملوا، وآمنوا فصدقوا، وضحوا فخلد التاريخ أسماءهم في صفحات المجد والعزة.
ومع استقبال عام هجري جديد، تقف الأمة الإسلامية أمام واحدة من أعظم المحطات في تاريخها، وهي الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، الحدث الذي لم يكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كان تحولًا تاريخيًا غيّر مسار الدعوة الإسلامية، وأسس لقيام الدولة الإسلامية الأولى.
لقد واجه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه سنوات طويلة من الأذى والاضطهاد في مكة، وتحملوا المشقة في سبيل تبليغ رسالة الله. ورغم ما تعرضوا له من حرب نفسية وجسدية ومقاطعة وظلم، فإنهم صبروا وثبتوا حتى جاء أمر الله بالهجرة، لتبدأ مرحلة جديدة من البناء والعطاء والانتصار.
وفي المدينة المنورة أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعد المجتمع الإسلامي القائم على العدل والأخوة والتكافل، فكانت الهجرة درسًا خالدًا في الصبر والتخطيط والتضحية والأخذ بالأسباب والتوكل على الله.
واليوم، ونحن نسترجع هذه الذكرى العظيمة، لا نحتاج فقط إلى استحضار أحداثها، بل إلى استلهام معانيها. فالأمة الإسلامية تمر بتحديات كثيرة، وتعاني في بعض جوانبها من التفرق والضعف، وهي أحوج ما تكون إلى استعادة روح الوحدة والإخاء التي جسدتها الهجرة النبوية المباركة.
إن الهجرة تعلمنا أن الأمل يولد من قلب المحنة، وأن النصر يأتي بعد الصبر، وأن وحدة الصف هي السبيل إلى القوة والتمكين.
نسأل الله تعالى أن يجعل العام الهجري الجديد عام خير وبركة وأمن وسلام على الأمة الإسلامية، وأن يوحد صفوف المسلمين، ويجمع كلمتهم على الحق، وينصر المستضعفين منهم في كل مكان.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.هذا النص مناسب للنشر كمقال رأي أو كلمة دينية بمناسبة العام الهجري الجديد.



