فن وثقافة

بلاغ ضد ميت

حامد ابو المجد

في شارع جانبي بسوق زنانيري امام بوابة إحدى المدارس التي وقف أولياء الأمور أمامها منتظرين خروج أحلامهم الصغيرة من المدرسة ، التي بذلوا أعمارهم في سبيل توفير احتياجتها كي تنمو سنة بعد سنة ، وهم لا يدرون هل تكتمل أحلامهم؟ وهل ستبقى بارة بهم؟

 

كان الكل يسعى خلف امل قد يتحول إلى وهم ! الكل يسير في طريق لا يدري ما فيه ، وما نهايته! كانت هناك امرأة تقف بين النساء عذراء العلاقات ، تنتظر ابنها، وقد كساها سواد عبايتها جمالا ، لفت انتباه صاحب دكان صغير ، عليه لافتة ذات حروف أكلها الزمن كما أكل أعمار سكان الألفية الثالثة،

 

ظل مترقبا عينيها، لعلها تنظر ناحيته ، حتى وجدها تحاول أن تقرأ اللافتة ، فاشار إليها فتلفتت لتتاكد أنه يقصدها ، ثم ذهبت إليه ، وكان رجلا ذا شعر أبيض ، حكي له الزمن كل الحكايات ، يجلس خلف مكتب خشبي متاكل قديمز، فسحب لها مقعدا لتجلس ، ثم قال : ما كل هذا الحزن الظاهر في ملابسك وعينيك؟

 

قالت : لا شيء.، اتعرفني؟

 

ابتسم وقال : لا أعرف اسمك ، ولكن اعرف انك تضحكين من ألمك !

 

فتعجبت وقالت : حكيم روحاني في محل خال؟

 

فقال : أعرض أوهام غير صالحة للاستعمال الآدمي

 

فقالت : نصاب تبيع الأوهام، ومن يشتري؟

 

فقال : هنا فرق بين بيع الأوهام وعرضها

 

فقالت : واين هي؟

 

فقال : فوق الرفوف ، اكتب قصص أناس ضاعت أعمارهم وهي تظن انها تحسن صنعا ، فلما انتهت أمالهم وحققوا أحلامهم ندموا علي ما ضاع من اوقاتهم، وهم محرمون من متعة أرواحهم ، حاولت بيانها للناس قبل أن يلحقوا باسلافهم

 

فقالت : ومن أين اتيت بهذه التجارب؟

 

فقال : من حكايات الأهل والجيران، والأصحاب والخلان، وصحف العجم والعربان، وما يدور في المحاكم وبين الجدران

 

سكت، فقالت : مش اعرف حكايات كتير، لأني إبنة الأربعين، قضيت منها عشرين بين الأهل، وعند الزوج رحل بعد عشرين، فما عساي ان افعل وقد عشت رهينة هذين المحبسين!؟

 

فقال : اتحبين معرفة تجارب الآخرين؟

 

فقالت : مش اعرف استفيد منها، انا اعمل اي حاجة من نفسي، مالي دعوة بغيري

 

فنظر لها وقال : إبنة أربعين ونقاء سنتين في القرن الحادي والعشرين!

 

فقالت : هكذا عشت، ومالي بالآخرين

 

فقال : لو أردت تعلمي بعد هذه السنين، واتخذي منها زادا حتى حين، فكل حكاية معادة رغم اختلاف التفاصيل والأسماء والسنين

 

فقامت ودخلت لتقرا العناوين : هذه قصة ” مات ولم يرض الآخرين” وتلك ” ميت من الخوف” و ” ماتت من انتظار الحبيب” وهناك ” ميت من غدر الاقربين”، ” وميت من قليل الاصل” و ” ميت من الندم”

 

التفتت له وقالت : مش افهم قصدك من الكتابة والعرض

 

فقال : تجارب لناس عاشت حياة طويلة وماتت دون أن تعيش حياتها وتستمتع بها

 

فقالت : مش افهم، وليس في العمر بقية حتى أتعلم

 

فقال : إنسان كان نفسه يبقى مستشار، خاف يزعل أهله وصار طبيبا، وعاش عمره كارها لعمله، ومات وهو يتمنى ان يكون مستشارا

 

زوجة تمسك المصحف ليل نهار، معتقدة انها الوحيدة التي ستدخل الجنة، وهي مهملة في حق زوجها، ولم تراجع نفسها مرة واحدة وتعتذر ، كبرها منعها، وجري العمر بها، وضعف ما بينها وبين أقرب الناس لها، فلما تزوج بغيرها طلبت الطلاق وخربت بيتها

 

والد بحث عن المال، وارسله لأولاده ، ولم يكتف حتى كبروا ولم يراهم، فضاع عمره بين غربته عنهم وغربته بينهم

 

شاب ظل منتظرا الفرصة التي تناسب مؤهلاته، وتحسن ظروفه ، فمر عمره وهو لا يدري ان لكل مرحلة ظروف ولن تنتهي حتى يمر العمر

 

فقالت : انا احب اعتذر لو اخطات لكن هو مش يعتذر، مش اعرف حاجة، ما يقول لي هو المفروض المعتاد بالنسبة لي، واهلي لم يعلموني

 

ابتسم وقال : أغلب الناس تعيش كما الدنيا تريدهم وحسب ظروفهم لا كما يتمنون

 

فقالت : وانت

 

فقال : انا اتفرجت على الدنيا من بعيد، وعاصرت تجارب

 

ناس كتير، وقرات عن تجارب كتير، وخرجت بحقيقة واحدة، ان معظم الناس فقدت عمرها وهي تجري خلف حاجات مش محتاجاها، وشفت ناس عمرها قصير

 

لكن عاشت كل يوم فيه كأنه عيد

 

قالت له : مش اعرف السعادة أن يكون جوزي مبسوط

 

قال : السعادة انك تعيشين العمر وانت حية، تضحكين من قلبك قبل الوجه، تسامحين دون مكر، تحبين دون خوف، تحققين احلامك انت لا أحلام غيرك، تتركين اثرا طيبا في قلوب اناس قابلوك ولو مرة واحدة

 

فقالت وهي في حيرة : انا مش اعرف السعادة، ومش اقدر افهم كل التجارب دي

 

هز راسه وقال : لا تفكري فيما مضى، ولكن عليك بما بقي

 

اعرفي قيمته قبل أن يمضي

 

ثم احضر ورقا وقلما وقال لي : اكتبي اسمك وحكايتك

 

فكتبت : نقاء ، وتركت الصفحات بيضاء

 

فقال لها : لماذا لا تكتبين حكايتك

 

فقالت : لأن ما عرفته من اهلي تجاربهم ومفاهيمهم، وما عرفته من زوجي ما أراد لي ان اعرفه ، حتى انني ما زلت عذراء، وابني من حقن محهري، واقتنعت ان ذلك مو قمة العلاقة الزوجية، وعدم الكلام مع أحد من طاعة الزوج، فحكايتي غير متداولة بين الناس ، ولا أريد أن اعرضها ليعرف الناس سذاجتي، وسطوة من تولوا أمري ، ولكنني راضية، وخرجت من الدكان

 

كان الطلبة مازالوا يخرجون، والأمهات ينتظرن أحلامهم البارة والعاقة، والسيارات تحدث الضوضاء وتنشر الادخنة

 

والباعة يبيعون بأسعار متفاوتة

 

ولكنها تركت صاحب الأوهام غير ما وجدته، لانه ولأول مرة يدرك ان هناك تجارب صالحة للاستعمال الادمي وان هناك من عاشت حياة لا تناسبها لكنها تكيفت معها بعيدا عن تلك الأنواع الشاذة من النساء التي تتفاخر بالشذوذ تحت مسميات الحرية والمساواة

 

ولكن هل بقت هي راضية كما كانت، بعدما مرت أجمل سنوات عمرها دون علاقة ، سعيدة برضا أهلها وزوجها ام ستتمرد على حياتها كلما تذكرت صاحب الدكان، وتكتب أول سطور تجربتها مع حياتها التي تريد أن تعيشها لا الحياة التي فرضت عليها من زوجها

 

اتجهت بابنها إلى قسم سيدي جابر، وصعدت السلم واتجهت إلى النوبتجية وطلبت عمل محضر ضد زوجها، ففتح المحضر وسجل اسمه فلما سالها عن منصبه قالت : ميت،، فترك القلم ومسح بكفه وجهه وقال : عايزاني اعمل محضر ضد ميت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock