بناء عسكري في خنادق سيناء قراءة في الملامح الأولى لمسيرة رجل الأقدار
كتبت /منى منصور السيد

تظل البدايات العسكرية للقادة العظام محط دراسة وتحليل، إذ تشكل الخلية الأولى التي تنمو وتتبلور من خلالها سمات القيادة، والانضباط، والرؤية الاستراتيجية. وفي المقال التوثيقي المتميز للواء دكتور سمير فرج، المنشور في جريدة الأهرام، نجد أنفسنا أمام وثيقة تاريخية حية تتجاوز السرد التقليدي، لتقدم تشريحًا دقيقًا للمرحلة التكوينية الأولى في حياة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهي المرحلة التي صاغت عقيدته العسكرية والعملية وسط ظروف استثنائية شهدتها العسكرية المصرية عقب حرب أكتوبر المجيدة.
تبدأ ملامح هذا التكوين من لحظة الاختيار المبكر والتخصص؛ فالتخرج في الكلية الحربية عام 1977 ضمن الدفعة 69 حربية، والالتحاق بسلاح المشاة العريق، لم يكن مجرد مسار وظيفي تقليدي، بل كان استحقاقًا فرضته معطيات التفوق الميداني في مادة التكتيك، والتميز في الرماية واللياقة البدنية. هذا التميز الأكاديمي والبدني سرعان ما تحول إلى واقع عملي عندما وُضع الضابط الشاب في قلب بيئة دفاعية شديدة الصعوبة في المنطقة أ بسيناء. إن قضاء عامين كاملين داخل موقع دفاعي متكامل تحت الأرض، يزخر بالخنادق والدشم وحقول الألغام، وسط مناورات وتدريبات قتالية مستمرة، مثّل المعمل الحقيقي لصقل الشخصية العسكرية، وتكريس قيم الصبر، والتحمل، والإدارة الدقيقة للمواقف الحرجة تحت ضغط الظروف الميدانية الصعبة.
وفي هذا السياق، تظهر الفراسة القيادية للواء سمير فرج حين تسلم قيادة الكتيبة 350 مشاة ميكانيكي عام 1979، حيث تجلت قدرة القائد العائد من كلية كامبرلي الملكية بإنجلترا على استشراف النبوغ؛ فمن بين أربعة وثلاثين ضابطًا، وقع الاختيار على الملازم أول عبد الفتاح السيسي ليتولى منصب ضابط استطلاع وأمن الكتيبة. هذا المنصب، الذي يُعرف في العرف العسكري بأنه العين الرائية للقائد وركيزة اتخاذ القرار في المعركة، لا يُسند إلا لمن يمتلك قدرة فائقة على الملاحظة والربط والتحليل. ولم يكن هذا الاختيار وليد الصدفة، بل جاء ثمرة أسبوع كامل من المراقبة الصامتة والدقيقة، التي كشفت عن انضباط استثنائي وكفاءة عالية وقدرة مبكرة على تحمل المسؤولية.
هذا التميز النادر لم يتوقف عند حدود المهام الميدانية، بل تجسد رسميًا في التقارير السرية السنوية للكتيبة. ففي منظومة عسكرية صارمة تقيد منح تقدير امتياز بعدد محدود جدًا يذهب تاريخيًا لكبار الضباط ورؤساء العمليات، كان حصول ملازم أول حديث السن على هذا التقدير بمثابة اعتراف رسمي مبكر بامتلاكه مقومات تتجاوز مرحلته العمرية والوظيفية، وتأكيدًا على أن الإخلاص والجدية هما المعيار الحقيقي للتقييم.
ولم يكن هذا الحضور المتميز ليمر دون أن يلفت أنظار قادة تاريخيين آخرين؛ إذ شهدت تلك الفترة تقاطعًا مهمًا في المسارات العسكرية مع العميد أركان حرب عمر سليمان، قائد اللواء 116 مشاة آنذاك. إن استرعاء انتباه شخصية استخباراتية وعسكرية بحجم عمر سليمان يعكس عمق الأثر الذي كان يتركه الضابط الشاب في محيطه، حيث رأى فيه ضابطًا متميزًا يستحق المتابعة، مما يؤكد أن الكفاءة كانت سمة ملازمة له في كل المستويات القيادية.
تكتمل أبعاد هذا التحليل بالالتفات إلى مرونة التكوين الفكري والمعرفي؛ فمع دخول العسكرية المصرية مرحلة التحول والانفتاح على الفكر الغربي بعد اتفاقية السلام، كان الملازم أول عبد الفتاح السيسي من أوائل الضباط الأصاغر الذين خاضوا غمار هذا التحول بنجاح. إن سفره إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1980 واجتيازه دورة المشاة الأساسية المتقدمة بتقدير امتياز، يعكس قدرة عالية على استيعاب العلوم العسكرية الحديثة وتطوير الذات خارج الأطر التقليدية التي اعتمدت لعقود على الفكر الشرقي السوفيتي. ولم يقتصر الأمر على التلقي، بل امتد ليكون ناقلًا ومجددًا، حين انتدب فور عودته معلمًا بمدرسة المشاة المصرية لنقل هذا الفكر الحديث إلى أجيال جديدة من الضباط، ليجمع بذلك بين وعي الميدان وعمق المعرفة الأكاديمية.
إن قراءة هذه المحطات التكوينية تكشف بوضوح أن السمات التي تميز الإدارة الاستراتيجية للدولة المصرية في اللحظات الفارقة لم تكن وليدة اليوم، بل هي نتاج بناء عسكري رصين، شُيد لبنة لبنة في خنادق سيناء، ومقاعد المعاهد الدولية، وتحت عين قادة عظام شهدوا بامتياز هذا التكوين الاستثنائي.



