
حين يمتزج جلال التاريخ بقدسية الذكريات، تنبض المواقع الأثرية بروح العصور الشاهدة على مهد الحضارات، لتكشف الأيام عن حقائق قد يطمسها غبار الزمن، ولكنها تظل حية في وجدان الوطن. وفى هذا الإطار السامى، وتحت رعاية الأستاذ الدكتور علاء عبد الهادي، رئيس النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر والأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب، تشهد الساحة الثقافية حدثاً فكرياً استثنائياً، حيث تقيم لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة العامة، برئاسة الكاتب والباحث عبد الله مهدي، بالتعاون مع النقابة الفرعية لاتحاد كتاب الشرقية والسويس وسيناء برئاسة الشاعر إبراهيم حامد، ونادي أدب الزقازيق برئاسة الشاعر نبيل مصلحي، وبتنسيق دقيق من المهندس الاستشاري المدني مجدي غبريال، حلقة بحثية نوعية مغزولة بعبق التاريخ تحت عنوان “تل بسطا وتجاهل الحقائق”، والتى يحتضنها قصر ثقافة الزقازيق في أول يونيو من عام ألفين وستة وعشرين، تزامناً مع الذكرى الغالية لدخول العائلة المقدسة إلى أرض الكنانة.
وتكتسب هذه الحلقة البحثية أهمية خاصة لكونها تنطلق في اليوم الذى تباركت فيه مصر بقدوم الرمز الأسمى للمحبة والسلام، مستحضرين تلك الدعوة الخالدة التي طوقت الشعب المصرى بالبركة الإلهية في قوله: “طوبى لشعبي مصر”. ولأن القيمة التاريخية لا تكتمل إلا بفك طلاسم الأماكن التي شهدت تلك الرحلة المقدسة، يفرد المحاضرون أوراقهم العلمية لتسليط الضوء على منطقة “تل بسطا”، ذلك الموقع الفريد الذى يمثل إحدى المحطات الخمس والعشرين البارزة ضمن ثماني محافظات مصرية شكلت في مجموعها المسار التاريخي لرحلة العائلة المقدسة، ممتدة من شمال سيناء والشرقية والغربية، مروراً بكفر الشيخ والبحيرة والقاهرة، ووصولاً إلى المنيا وأسيوط.
وفى محراب البحث، تفيض الندوة بإسهامات نخبة من القامات الفكرية والأثرية، حيث يشارك الباحث إسحاق إبراهيم الباجوشي، عضو لجنة التاريخ القبطي، ملقياً الضوء على الأبعاد التاريخية والدينية للرحلة، وتشاركه الباحثة منال منير حبيب، مدير عام آثار الشرقية، بتقديم قراءة أثرية موثقة تعيد الاعتبار للمكانة الهندسية والحضارية للموقع، بينما يضفي القمص ويصا حفظي سعيد، كاهن دير وكنيسة رئيس الملائكة الجليل ميخائيل بكفر الدير، لمسة روحية وتوثيقية تؤكد على تجذر هذه الذكرى في الوجدان المصرى. ويدير هذا المحفل الفكرى المتميز الكاتب والباحث عبد الله مهدي، الذى يقود دفت الحوار ببراعة لتفكيك ما واجهته هذه المنطقة من تجاهل لبعض حقائقها الدامغة عبر العقود الماضية.
إن “تل بسطا” لم تكن مجرد محطة عابرة في سجلات الزمن, بل كانت عاصمة متوجة للإقليم الثامن عشر لمصر السفلى في عصر الدولة الحديثة الفرعونية، وعاصمة لمصر القديمة برمتها خلال عهد الأسرة الثانية والعشرين. هناك، حيث كانت الأرض مركزاً دينياً مهيباً ومهداً لعبادة “باستت”، رمز المحبة والسعادة والخصوبة، حطت العائلة المقدسة رحالها لتمتزج القداسة المسيحية بعراقة الأجداد الفراعنة. وقد خلد المؤرخ اليوناني الشهير هيرودوت هذه المكانة حين وصف الاحتفالات الضخمة التي كانت تقام بها ويحضرها الجموع الغفيرة من كل حدب وصوب، مما يؤكد أننا أمام بقعة جغرافية استثنائية تختزل في طياتها ملامح الهوية المصرية عبر العصور.
وعليه، فإن هذه الحلقة البحثية، التي تدق ساعتها في تمام السادسة مساءً بقاعة الأنشطة بقصر ثقافة الزقازيق، لا تأتي فقط كاحتفالية تذكارية، بل كصرخة علمية جادة وثقتها عقول المفكرين والأدباء لإعادة قراءة التاريخ وتصحيح المسار المعرفي حول هذه المنطقة الثرية، وتأكيداً على أن أرض مصر ستظل دوماً واحة تلتقي فيها الأديان، وتتكامل على ضفافها الحضارات.



