صحف وتقارير

القدس ليست ساحة للعبث السياسي..سفارة بلا شرعية في مدينة محتلة

بقلم احمد شتيه

 

 

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستنكار العربي، أقدمت سلطات ما يسمى «إقليم أرض الصومال» الانفصالي على الإعلان عن افتتاح ممثلية أو سفارة في مدينة القدس المحتلة، في تصرف اعتبرته القاهرة وعدد من الدول العربية انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي واعتداءً مباشرًا على الثوابت العربية المتعلقة بالقضية الفلسطينية ووضع مدينة القدس القانوني والتاريخي.

 

وجاء الموقف المصري حاسمًا وواضحًا، حيث أدانت مصر هذه الخطوة باعتبارها عملًا غير شرعي يهدف إلى تكريس الاحتلال الإسرائيلي للقدس ومحاولة فرض واقع سياسي مخالف لقرارات الشرعية الدولية، مؤكدة أن القدس الشرقية أرض فلسطينية محتلة وفقًا لقرارات الأمم المتحدة، وأن أي إجراءات أو تحركات تهدف إلى تغيير وضعها القانوني تُعد باطلة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني.

 

ما يسمى “أرض الصومال” لا يحظى باعتراف دولي كدولة مستقلة، إذ لا تزال الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والمجتمع الدولي يعتبرونه جزءًا من دولة الصومال ذات السيادة.

ومن ثم، فإن أي تحركات دبلوماسية أو اتفاقات دولية يعقدها الإقليم تظل محل رفض قانوني وسياسي واسع.

 

وتزداد خطورة الخطوة عندما ترتبط بمدينة القدس المحتلة، التي تمثل إحدى أكثر القضايا حساسية في الشرق الأوسط، خاصة أن المجتمع الدولي لا يعترف بالسيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية، ويؤكد باستمرار أن وضع المدينة يجب أن يُحسم عبر المفاوضات النهائية وفق قرارات الشرعية الدولية.

ومن هنا، فإن إقامة أي بعثات أو ممثليات دبلوماسية في القدس المحتلة يُنظر إليه باعتباره دعمًا مباشرًا لمحاولات الاحتلال فرض أمر واقع جديد، وهو ما يفسر حجم الغضب العربي والإسلامي تجاه هذه الخطوة.

 

الخطوة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد تحرك منفرد من إقليم انفصالي يسعى للبحث عن اعتراف دولي، بل تحمل أبعادًا سياسية وأمنية أوسع، خاصة في ظل التحركات الإسرائيلية المتزايدة داخل منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

فإسرائيل تدرك الأهمية الجيوسياسية البالغة للمنطقة، وتسعى منذ سنوات إلى تعزيز نفوذها بالقرب من الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها باب المندب والبحر الأحمر، وهو ما يثير مخاوف إقليمية كبيرة، خصوصًا لدى مصر التي تعتبر أمن البحر الأحمر جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي.

 

و يرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تُستخدم كورقة ضغط سياسية لإثارة مزيد من التعقيدات داخل الصومال والمنطقة، عبر دعم كيانات انفصالية أو خلق تحالفات غير مستقرة قد تؤدي إلى زيادة التوترات الجيوسياسية في القرن الإفريقي.

 

والسؤال هنا ، لماذا تتحرك مصر بقوة ضد القرار؟

الموقف المصري الرافض لا ينطلق فقط من دعم القضية الفلسطينية، بل يرتبط أيضًا بعدة اعتبارات استراتيجية وقانونية وأمنية.

أول هذه الاعتبارات يتمثل في تمسك القاهرة الكامل بالثوابت العربية تجاه القدس ورفض أي إجراءات أحادية تهدف إلى تهويد المدينة أو شرعنة الاحتلال.

أما الاعتبار الثاني، فيتعلق بالحفاظ على وحدة الدولة الصومالية ورفض دعم أي نزعات انفصالية قد تهدد استقرار القرن الإفريقي، وهي المنطقة التي تمثل عمقًا استراتيجيًا مباشرًا للأمن القومي المصري.

كذلك تدرك مصر أن السماح بتمرير مثل هذه الخطوات دون رد حاسم قد يفتح الباب أمام تحركات مشابهة من كيانات غير معترف بها دوليًا، بما يمثل سابقة خطيرة تهدد النظام الدولي نفسه.

 

القاهرة تمتلك عدة مسارات للتحرك ضد هذه الخطوة، سواء سياسيًا أو دبلوماسيًا أو قانونيًا.

فعلى المستوى الدبلوماسي، تتحرك مصر عبر اتصالات مكثفة مع الدول العربية والإفريقية والمنظمات الدولية لتأكيد رفض هذه الخطوة ومنع أي محاولات لمنحها غطاءً سياسيًا.

كما يُتوقع أن تدعم القاهرة تحركات داخل جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي لتجديد التأكيد على وحدة الأراضي الصومالية ورفض أي إجراءات تمس الوضع القانوني للقدس.

وعلى المستوى القانوني، تستند مصر إلى قرارات الأمم المتحدة التي تعتبر القدس الشرقية أرضًا محتلة، وتؤكد بطلان أي إجراءات تهدف إلى تغيير طابع المدينة أو وضعها القانوني.

أما على المستوى السياسي، فتسعى القاهرة إلى تعزيز دعمها للحكومة الفيدرالية في الصومال، باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للدولة الصومالية، بما يقطع الطريق أمام أي محاولات لاستغلال الانقسامات الداخلية لتحقيق مكاسب جيوسياسية.

رسالة مصر: لا شرعية للاحتلال ولا للاعترافات المشبوهة

الرسالة المصرية في هذا الملف تبدو واضحة وحاسمة؛ فلا شرعية لأي إجراءات تتعلق بالقدس خارج إطار القانون الدولي، ولا قبول بمحاولات توظيف الكيانات الانفصالية لخدمة أجندات سياسية تمس استقرار المنطقة.

 

وفي ظل التصعيد الإقليمي المتزايد، تبدو القاهرة أكثر تمسكًا بثوابتها التاريخية تجاه القضية الفلسطينية، وأكثر حرصًا على منع أي تحركات قد تُعيد تشكيل خرائط النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي على حساب الأمن العربي.

ويبقى المؤكد أن قضية القدس ستظل بالنسبة لمصر والدول العربية خطًا أحمر، وأن أي محاولة للمساس بوضع المدينة أو الالتفاف على حقوق الشعب الفلسطيني ستواجه برفض سياسي ودبلوماسي واسع، مهما تعددت الأطراف أو تغيرت الحسابات الإقليمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock