
في كل مرة تقترب فيها الدولة من تعديل قوانين الأحوال الشخصية، يعود الجدل إلى الواجهة بقوة، وتتقاطع الآراء بين مؤيد يرى في التعديلات ضرورة لحماية الأسرة المصرية، ومعارض يخشى أن تؤدي بعض البنود إلى تفكيك الروابط العائلية أو الإخلال بالتوازن بين حقوق الرجل والمرأة.
ومع الحديث المتصاعد حول قانون الأسرة الجديد، أصبحت الساحة العامة مسرحًا لنقاش واسع تشارك فيه المؤسسات الدينية، والحقوقيون، والمحامون، والإعلام، فضلًا عن ملايين المواطنين الذين يرون أن القانون يمس حياتهم بشكل مباشر.
القانون الجديد يأتي في توقيت شديد الحساسية، في ظل ارتفاع معدلات الطلاق، وزيادة النزاعات الأسرية أمام محاكم الأسرة، وتعقد القضايا المتعلقة بالنفقة والرؤية والحضانة.
وتشير التقديرات إلى أن الدولة تسعى من خلال مشروع القانون إلى بناء منظومة أكثر عدالة وسرعة في التعامل مع النزاعات الأسرية، بدلًا من الإجراءات الطويلة التي تستنزف الأطراف نفسيًا وماديًا.
لكن الأزمة الحقيقية لا تتعلق فقط بالنصوص القانونية، بل بطبيعة المجتمع المصري نفسه، الذي يرى في الأسرة حجر الأساس للاستقرار الاجتماعي، وبالتالي فإن أي تعديل قانوني يصبح محل تدقيق وخلاف واسع.
أحد أكثر الملفات التي أثارت نقاشًا حادًا هو ملف “الرؤية والاستضافة”، حيث يطالب كثير من الآباء بحق أكبر في استضافة الأبناء بعد الطلاق بدلًا من الاكتفاء بساعات الرؤية المحدودة، بينما تخشى بعض الأمهات من أن يتحول الأمر إلى وسيلة للضغط أو الانتقام الأسري.
كما أثارت قضايا النفقة جدلًا كبيرًا، خاصة مع مطالبات بتغليظ العقوبات على الممتنعين عن السداد، مقابل أصوات أخرى ترى ضرورة مراعاة الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها بعض الأزواج.
أما ملف الحضانة، فيبقى من أكثر الملفات حساسية، خصوصًا مع الجدل حول ترتيب الحاضنين وسن الحضانة، إذ يرى فريق أن القانون الحالي منحاز للأم بشكل كبير، بينما يؤكد آخرون أن مصلحة الطفل يجب أن تكون المعيار الأول بعيدًا عن صراع الطرفين.
والسؤال هنا هل القانون منحاز لطرف على حساب الآخر؟
الانتقادات المتبادلة كشفت عن حالة استقطاب واضحة داخل المجتمع؛ فهناك من يعتبر أن قوانين الأحوال الشخصية الحالية تميل لصالح المرأة، بينما ترى جمعيات حقوقية نسائية أن المرأة ما زالت تتحمل العبء الأكبر بعد الطلاق، سواء اقتصاديًا أو اجتماعيًا.
وفي المقابل، ظهرت حملات يقودها بعض الآباء للمطالبة بما يصفونه بـ”العدالة المتوازنة”، مؤكدين أن الأب تحوّل في بعض الحالات إلى “ممّول فقط” دون دور تربوي حقيقي في حياة الأبناء بعد الانفصال.
هذا الانقسام يعكس صعوبة الوصول إلى قانون يحقق الرضا الكامل لجميع الأطراف، خاصة أن كل مادة قانونية ترتبط بمصالح متشابكة وحالات اجتماعية مختلفة.
اللافت في الجدل الحالي هو الحضور القوي للمؤسسات الدينية والقانونية، إذ تؤكد الجهات المعنية أهمية أن تكون التعديلات متوافقة مع الشريعة الإسلامية، وفي الوقت نفسه قادرة على مواكبة التغيرات الاجتماعية الحديثة.
كما ان مؤسسة الازهر اعلنت ان القانون لم يطرح عليها حتى الآن وان موقف الازهر سيوضح رسميا عقب احالة القانون عليها.
كما يطالب متخصصون في القانون بضرورة أن يكون التشريع الجديد أكثر وضوحًا ودقة، لتجنب الثغرات التي تفتح الباب أمام النزاعات والتفسيرات المتضاربة داخل المحاكم.
لعبت منصات التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في تأجيج الجدل، حيث تحولت بعض القضايا الأسرية إلى “ترندات” يتبادل خلالها المستخدمون الاتهامات والانحيازات، ما ساهم في خلق صورة ذهنية متوترة حول العلاقة بين الرجل والمرأة.
ورغم أن هذا التفاعل يعكس اهتمامًا مجتمعيًا واسعًا، فإنه في أحيان كثيرة يدفع النقاش بعيدًا عن الموضوعية، ويحول القانون إلى ساحة صراع عاطفي أكثر منه نقاشًا تشريعيًا هادئًا.
التجارب السابقة تؤكد أن المشكلة لا تكمن دائمًا في القوانين، بل في آليات التنفيذ وسرعة التقاضي وضعف الوعي المجتمعي.
فحتى أفضل التشريعات قد تفشل إذا لم تُدعَم بمنظومة تنفيذ عادلة وفعالة، تشمل مكاتب تسوية أسرية قوية، ودعمًا نفسيًا واجتماعيًا للأسر، وحملات توعية تحافظ على فكرة “الأسرة” باعتبارها شراكة لا معركة.
الجدل حول قانون الأسرة الجديد يكشف حجم التغيرات الاجتماعية التي يعيشها المجتمع المصري، لكنه يكشف أيضًا حجم القلق على مؤسسة الأسرة نفسها.
وبين الأصوات المطالبة بحقوق المرأة، وتلك التي تدافع عن حقوق الرجل، تبقى مصلحة الطفل هي القضية الأهم والأكثر استحقاقًا للحماية.
القانون العادل ليس ذلك الذي ينتصر لطرف ضد آخر، بل الذي يمنع تحول الأسرة إلى ساحة صراع ممتد، ويضمن بقاء الاحترام والحقوق الإنسانية حتى بعد الانفصال. فاستقرار المجتمع يبدأ من استقرار الأسرة، وأي تشريع لا يحقق هذا التوازن سيظل محل جدل مهما كانت نواياه الإصلاحية.



