صحف وتقارير

كيف تُدار حروب القرن الحادي والعشرين خلف الستار؟

بقلم - منى منصور

بناءً على القراءة التحليلية والتصريحات الاستراتيجية الأخيرة للخبير والمحلل العسكري، اللواء سامي دنيا، تتداخل أوراق اللعبة الإقليمية والدولية وتتعدد واجهاتها لتؤكد أن المعارك الحديثة لم تعد مجرد اصطدام بالحديد والنار في جبهات القتال، بل باتت معارك وعي شامل وهويات تُستهدف بالتشويه والتزييف عبر منصات الإعلام الموجه ومشاريع الفن المصنوع بعناية. إن ما يشهده الإقليم اليوم من تحولات استراتيجية متسارعة، وما يكشف عنه الستار من كواليس أمنية استخباراتية، يثبت بالدليل القاطع أن المعلومة الصحيحة والتحليل العميق هما السلاح الأقوى في مواجهة ما يُحاك ضد أمن الأوطان واستقرارها، وهو ما يستوجب قراءة وطنية واعية ومتماسكة لا تقف عند حدود المشهد الظاهر بل تنفذ إلى جوهره.

في واجهة الأحداث السياسية والإعلامية، تبرز واقعة التسريب الأخير في القناة الرابعة عشرة الإسرائيلية كشاهد عيان على طبيعة صراع المعلومات المعاصر، فخروج مذيع على الهواء ليتحدث بثقة وتفصيل عن معلومات تخص منشأة أصفهان النووية ومستويات تخصيب اليورانيوم لا يمكن المرور عليه كحدث عابر. وسواء كان ما حدث يعكس حالة من الفوضى الداخلية والاستهتار بحدود الأمن القومي تحركه الرغبة في صناعة الشو الإعلامي والبحث عن التريند، أو كان تسريبًا استخباراتيًا مقصودًا لخلط الأوراق وممارسة الخداع النفسي والتشويش ضد إيران، فإن الإجراء الفوري بحذف الحلقة من قِبل الرقابة العسكرية وتصريحات قادة الجيش الغاضبة تؤكد حجم الخلل الذي يقع خلف الستار، وتثبت أن الكلمة غير المحسوبة في عالم الحروب الرقمية قد تضاهي في خطورتها أثر الصواريخ العابرة للمدن.

ولأن اختراق العقول واللعب بالهوية الوطنية يمثل خط الدفاع الأخطر في الحروب المعاصرة، فإن القوة الناعمة تتحول أحيانًا إلى معول هدم إن غاب عنها الانضباط الفكري والوعي التاريخي. ويتجلى ذلك بوضوح في الجدل المثار حول فيلم الأسد، وما يحمله من سرديات مشبوهة تحاول تصوير الحضارة المصرية القديمة كبيئة قائمة على العبودية العرقية تجاه الأفارقة، في مقارنة مغلوطة ومزيفة بالسينما والتاريخ القديم لشبه الجزيرة العربية. إن هذه الأفكار لا تأتي مصادفة، بل تصب بشكل مباشر في صالح توجهات حركة الأفروسنتريك التي تسعى لسرقة الريادة التاريخية للمصريين، وتأتي في توقيت شديد الحساسية تخوض فيه الدولة المصرية معارك دبلوماسية وسياسية كبرى لاستعادة دورها القيادي في القارة الأفريقية وتأمين ملفات أمنها المائي وحوض النيل، مما يثبت أن صناعة الفن بعيدًا عن رقابة المتخصصين والعلماء قد تخدم أجندات عزل مصر عن عمقها الاستراتيجي، وهو ما يستدعي يقظة فكرية لحماية الأمن الثقافي للوطن.

وفي موازاة المعارك الإعلامية والثقافية، وفي صمت تام لا يقطعه إلا هدير العمليات الدقيقة، تبرز التحركات الأخيرة للقوات الخفية في العمق الجنوبي، وتحديدًا في المناطق الحدودية الوعرة المتاخمة لولاية النيل الأزرق وإثيوبيا، لترسل رسالة صارمة بأن زمن العبث بالحدود قد ولى بغير رجعة. إن الضربات الاستباقية النوعية التي طالت خطوط إمداد الميليشيات المسلحة ودمرت قواعد وهناجر انطلاق الطائرات المسيرة في العمق، تعكس احترافية بالغة في إدارة الصراع العسكري على الأرض، وحرمان العدو من أدوات التهديد والتجهيز اللوجستي قبل تمددها نحو جبهات المواجهة، لتؤكد أن حماية مقدرات الأوطان تُكتب أحيانًا بالنيران والدخان خلف الستار وقبل أن يدركها الجميع في وضح النهار.

إن القراءة الفاحصة لجميع هذه الملفات المتشابكة تكشف بوضوح أن معركة الوعي القومي هي خط الدفاع الأول والأهم في العصر الحالي، فالاستهداف لم يعد مقتصرًا على السلاح، بل يمتد إلى العقل والهوية والذاكرة التاريخية والشاشات المفتوحة. إن تماسك الجبهة الداخلية، والالتفاف حول القيادة الوطنية ومؤسسات الدولة من جيش وشرطة، يظل الضمانة الوحيدة لردع كل المحاولات الخفية والعلنية التي تستهدف النيل من مكانة مصر واستقرارها الإقليمي، لتبقى راية الوطن خفاقة وعصية على الاختراق أو التشويه والتزييف في غمار صراعات القرن الحادي والعشرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock