
قبل سنوات، كان منح الدروس الخصوصية يرتبط في الغالب بالمعلمين المؤهلين أكاديميًا، حتى وإن اختلفت الآراء حول هذه الظاهرة.
أما اليوم، فقد برزت أزمة جديدة أكثر تعقيدًا، تتمثل في دخول غير المؤهلين أكاديميًا إلى سوق الدروس الخصوصية، مستغلين منصات التواصل الاجتماعي والإعلانات الإلكترونية، في ظل غياب رقابة كافية تضمن جودة ما يُقدَّم للطلاب.
أصبح من المألوف أن يقدم طالب جامعي أو خريج من تخصص بعيد عن مجال التعليم نفسه كـ”مدرس خبير”، بل ويستقطب أعدادًا كبيرة من الطلاب عبر حملات دعائية تعتمد على نسب النجاح والوعود بالحصول على الدرجات النهائية، دون امتلاك تأهيل تربوي أو خبرة علمية تؤهله لتحمل مسؤولية بناء عقول الأجيال.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تقتصر على نقل المعلومات، بل تمتد إلى ترسيخ مفاهيم خاطئة، واستخدام أساليب تدريس غير تربوية، والاعتماد على الحفظ والتلقين بدلاً من الفهم والإبداع، كما أنها تضر بمكانة المعلم المؤهل الذي قضى سنوات في الدراسة والتدريب للحصول على الكفاءة اللازمة.
ويرى متخصصون في التربية أن غياب الضوابط المنظمة لمنح الدروس الخصوصية فتح الباب أمام ممارسة التعليم باعتباره نشاطًا تجاريًا أكثر منه رسالة تربوية، وهو ما يستدعي وضع معايير واضحة لمزاولة هذا النشاط، تشمل التحقق من المؤهلات العلمية والخبرة، مع تشديد الرقابة على المراكز التعليمية والمنصات التي تروج لأشخاص غير مؤهلين.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال دور الأسرة في التحقق من كفاءة من يتولى تعليم أبنائها، وعدم الانسياق وراء الإعلانات أو الشهرة على مواقع التواصل، فالمؤهل العلمي والخبرة التربوية يظلان حجر الأساس في تقديم تعليم سليم.
الخلاصة: إن حماية العملية التعليمية لا تقتصر على تطوير المناهج أو تحسين المدارس، بل تبدأ أيضًا بضمان أن من يتصدر لتعليم الطلاب يمتلك العلم والكفاءة والمسؤولية.
فالتعليم ليس مجالًا للتجربة أو التجارة، وإنما رسالة تصنع مستقبل الأوطان، وأي تهاون في معايير من يمارسها قد تكون كلفته باهظة على المجتمع بأكمله.



