عربي وعالمي

من العقاب إلى الوقاية.. كيف تعيد الأمم المتحدة تعريف مفهوم الأمن في مواجهة الجريمة؟

هاله المغاورى - فيينا

في الوقت الذي تتجه فيه كثير من الدول حول العالم إلى تشديد العقوبات وتوسيع صلاحيات أجهزة إنفاذ القانون لمواجهة تصاعد التهديدات الأمنية، يبرز داخل أروقة الأمم المتحدة نقاش مختلف يحمل رؤية أكثر شمولًا وتعقيدًا لمفهوم الأمن والوقاية من الجريمة.
هذا التحول الفكري كان حاضرًا بوضوح خلال الجلسة التي نظمتها جمهورية أوزبكستان بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) في فيينا، والتي ناقشت دور النساء والشباب والأطفال في بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود أمام الجريمة والعنف.
ورغم أن عنوان الجلسة ركز على تمكين النساء والشباب، فإن الرسالة الأعمق التي حملتها المداخلات لم تكن مرتبطة بهذه الفئات وحدها، بل بمراجعة شاملة للطريقة التي يفهم بها المجتمع الدولي العلاقة بين الأمن والتنمية والعدالة.
على مدى عقود طويلة، ارتبطت سياسات مكافحة الجريمة بمنطق يقوم على الردع والعقاب.
فكلما ارتفعت معدلات الجريمة، كان الرد التقليدي يتمثل في زيادة عدد أفراد الشرطة، وتشديد العقوبات، وتوسيع البنية العقابية.
إلا أن المداخلات التي قُدمت في فيينا عكست قناعة متزايدة داخل المؤسسات الدولية بأن هذه المقاربة، رغم أهميتها، لم تعد كافية بمفردها لمواجهة التحديات المعاصرة.
فالجريمة المنظمة العابرة للحدود، والاتجار بالبشر، والتطرف العنيف، والاستغلال الإلكتروني، وتعاطي المخدرات بين الشباب، ليست ظواهر تنشأ فجأة، بل هي نتائج لسلسلة طويلة من الإخفاقات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والمؤسسية.
ومن هنا برز السؤال الذي تكرر بأشكال مختلفة خلال الجلسة: ماذا لو ركزت الحكومات على منع أسباب الجريمة بدلًا من الاكتفاء بمعالجة نتائجها؟
هذا السؤال كان حاضرًا بوضوح في كلمة H.E. Monica Juma التي دعت إلى النظر للشباب باعتبارهم شركاء في صناعة الأمن لا مجرد فئات معرضة للخطر.
فالشباب الذين تستهدفهم الجماعات الإجرامية أو شبكات الاتجار بالبشر أو التنظيمات المتطرفة هم في كثير من الأحيان ضحايا للإقصاء والتهميش وضعف الفرص قبل أن يصبحوا ضحايا للجريمة نفسها.
ومن هذه الزاوية، يصبح التعليم ليس مجرد خدمة اجتماعية، بل أداة أمنية. وتصبح الصحة النفسية سياسة وقائية. ويصبح خلق فرص العمل جزءًا من استراتيجية مكافحة الجريمة.
كما يتحول الاستثمار في الفتيات والنساء من قضية حقوقية إلى عنصر أساسي في بناء الاستقرار المجتمعي.
ما طرحته أوزبكستان خلال الجلسة يعكس هذا التحول بوضوح. فبدل الفصل التقليدي بين ملفات التنمية وملفات الأمن، قدمت التجربة الأوزبكية نموذجًا يسعى إلى الربط بين التمكين الاقتصادي للمرأة، وتوسيع فرص التعليم، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وبين جهود الوقاية من الجريمة والعنف.
وهي مقاربة تزداد حضورًا في العديد من النقاشات الدولية التي ترى أن المجتمعات الأكثر عدالة وشمولًا تكون أقل عرضة للتطرف والجريمة المنظمة.
ومن بين أكثر الأفكار أهمية التي برزت خلال النقاش، الانتقال من الحديث عن الفئات المتأثرة إلى إشراكها في صنع القرار.
فقد تكررت عبارة «Nothing for us without us» في أكثر من مداخلة، سواء عند الحديث عن الشباب أو عن الناجين من جرائم الاتجار بالبشر. وهذه الفكرة تعكس تحولًا جوهريًا في الفلسفة الأممية الحديثة؛ إذ لم يعد المطلوب تصميم السياسات نيابة عن الناس، بل تصميمها معهم.
إن إشراك الشباب في صياغة الاستراتيجيات، وإعطاء الناجين من الاتجار بالبشر دورًا في تطوير السياسات الوقائية، والاستماع إلى المجتمعات المحلية قبل وضع البرامج الدولية، فالمعرفة لم تعد حكرًا على الخبراء والمؤسسات، بل أصبحت التجربة الميدانية والخبرة الحياتية جزءًا من عملية صنع القرار.
وفي هذا السياق، تكتسب قضية التعليم بُعدًا أوسع من مجرد نقل المعرفة. فالمداخلات التي تناولت دور المدارس والأسر والمجتمعات المحلية عكست إدراكًا متزايدًا بأن الوقاية تبدأ في السنوات الأولى من حياة الإنسان، داخل البيئة التي يتشكل فيها وعيه وقيمه وعلاقته بالمجتمع.
ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن تتكرر الإشارة إلى دور المعلمين والآباء ومقدمي الرعاية باعتبارهم خط الدفاع الأول ضد العنف والجريمة.
كما كشفت الجلسة عن إدراك متزايد للتحديات الجديدة التي فرضها العصر الرقمي. فبينما كانت التهديدات الأمنية في الماضي ترتبط بمكان جغرافي محدد، أصبحت شبكات الاستغلال والتجنيد والاتجار تعمل اليوم عبر الحدود ومن خلال المنصات الرقمية.
وهو ما يفرض على الحكومات والمؤسسات الدولية تطوير أدوات جديدة تجمع بين التوعية الرقمية، وبناء الثقة، وتعزيز التفكير النقدي لدى الشباب.
وربما كانت الرسالة الأكثر أهمية التي خرجت بها الجلسة هي أن الأمن لم يعد يُقاس فقط بعدد الجرائم التي يتم منعها أو عدد المجرمين الذين تتم محاكمتهم، بل بقدرة المجتمع على توفير بيئة يشعر فيها أفراده بالأمان والكرامة والانتماء والفرص المتكافئة.
لقد كشفت مناقشات فيينا عن تحول متسارع في التفكير الدولي تجاه قضايا الأمن والعدالة. فبدلًا من التركيز الحصري على ملاحقة الجريمة بعد وقوعها، يتجه النقاش العالمي اليوم نحو بناء مجتمعات أكثر قدرة على الوقاية منها عبر الاستثمار في الإنسان، وتعزيز التعليم، وتوسيع فرص المشاركة، وتمكين الفئات الأكثر تأثيرًا في مستقبل المجتمعات، وفي مقدمتها النساء والشباب والأطفال.

وفي عالم تتداخل فيه التحديات الأمنية مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، تبدو الوقاية المبكرة، والعدالة الشاملة، والمشاركة المجتمعية الواسعة، عناصر أساسية في صياغة نموذج جديد للأمن.

نموذج لا يقيس نجاحه بعدد العقوبات أو السجون، بل بقدرته على بناء مجتمعات أكثر تماسكًا وعدالةً واستدامة، تكون فيها فرص الجريمة أقل، وفرص التنمية والسلام أكبر .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock