صحف وتقارير

نسر طيبة على صفحات مجلة The Epics العالمية

كتبت - منى منصور

تتداخل في مسيرة بعض الرجال تفاصيلُ الأوطان، فغدت سيرتُهم الذاتية صفحاتٍ مضيئة في كتاب الأمة الرائدة، ولم يعد يقتصر صدى إنجازاتهم على الصعيد المحلي بل بات منارة تلتفت إليها المنصات الصحفية الدولية والإقليمية بالدراسة والتحليل، لتتوج هذا العطاء الإنساني الفريد بإبرازه كأيقونة نجاح ملهمة تتجاوز الحدود الجغرافية. ومن بين هؤلاء القادة الذين حفروا أسماءهم بحروف من نور في وجدان التاريخ المعاصر، يبرز اسم المفكر العسكري والاستراتيجي، سيادة اللواء أركان حرب دكتور سمير فرج. هو القائد الذي جمع في حله وترحاله بين صرامة المقاتل وعمق الأكاديمي، محلقاً بفکره وعطائه في سماء العسكرية والإدارة والثقافة، كنسرٍ جسور لم يعرف الوهاد يوماً، بل كانت قمم المجد وخدمة الوطن هي مستقره الدائم، لا سيما حين ترك بصمته الخالدة في أرض “طيبة” العريقة، فاستحق عن جدارة أن يكون نسرها المحلق الذي تحتفي به الأوساط الإعلامية العالمية كنموذج استثنائي للعبقرية المصرية الممتدة عبر الأجيال، ليحل هذا المضمون الوطني الرفيع ضيفاً عزيزاً على صفحات المجتمع الدولي الذي راح يستلهم من سيرته معاني القيادة الحقيقية.

بدأت رحلة هذا القائد من قلب بورسعيد الباسلة، تلك المدينة التي تشربت جدرانها معاني المقاومة والصمود، فكانت نشأته الأولى وقوداً لروح وطنية وثابة. ولأن التميز كان رفيقه، خطى خطواته الأولى في العسكرية المصرية متفوقاً، ليتخرج في الكلية الحربية محرزاً المركز الأول على دفعته، وتتوالى بعد ذلك درجاته العلمية رفيعة المستوى؛ من ماجستير العلوم العسكرية من كلية القادة والأركان، إلى زمالة كلية الأركان الملكية البريطانية الشهيرة “كامبرلي”، حيث كان أول ضابط من خارج دول حلف الناتو والكومنولث يتولى التدريس في هذا المعهد العسكري العريق، مثبتاً للعالم أجمع أن العقلية العسكرية المصرية تمتلك ندية معرفية وقدرة على قيادة حوار الثقافات العسكرية بكفاءة واقتدار. لم يقف طموحه الأكاديمي عند حدود الميدان، بل امتد ليتوج بدرجة الدكتوراه في الفلسفة حول دور الإعلام في حماية الأمن القومي، في رؤية استباقية أدركت مبكراً خطورة معارك الوعي الحديثة، وهو ما أشادت به التقارير الدولية التي وصفت رؤيته بأنها زاوجت بين التكتيك الميداني والعمق الجيوسياسي.

وإذا تتبعنا السيرة الميدانية لنسر طيبة، نجدها ملحمة تضحية وفداء بدأت من خنادق حرب الاستنزاف على خط النار، حيث صُقلت سيكولوجية المقاتل الحقيقي وسط أزيز الرصاص وصوت المدافع، وصُنعت العزيمة التي لا تلين لتتحول مرارة الماضي إلى طاقة انتصار تبلورت في ملحمة أكتوبر المجيدة عام 1973. وفي أروقة “المركز 10″، غرفة العمليات الرئيسية للقوات المسلحة، كان الشاب سمير فرج يشارك كأحد أصغر الضباط سناً ورتبة في إدارة أدق تفاصيل معركة العبور، شاهداً على عبقرية التخطيط والخداع الاستراتيجي. تلك الكواليس والمحطات المفصلية لم يتركها الكاتب للنسيان, بل وثقها ببراعة في كتابه الشهير «أوراق من حياتي»؛ حيث فتح فيه خزائن أسرار التنسيق والهارموني القيادي بين أركان الدولة خلال الحرب، وكيف تهاوت نظريات الأمن الإسرائيلية أمام التخطيط العلمي المصري. كما سجل في هذا الكتاب ملامح “معركة ما بعد المعركة” المتمثلة في ديبلوماسية الإعلام العسكري، مستعرضاً تفاصيل مناظرته التاريخية عبر هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عام 1975 أمام أرييل شارون، حيث وقف بثبات حاملاً خرائط الحق وأرقام النصر ليدحض بالمنطق والعلم العسكري ادعاءات قادة الاحتلال، ويُسمع العالم صوت الحق المصري بلسان بليغ وعقل رصين، مؤصلاً لفكرة أن الإعلام هو ركيزة أساسية وسلاح استراتيجي لحماية الأمن القومي.

وعندما حان الوقت ليرتدي هذا المحارب الثوب المدني، أثبت أن الانضباط العسكري ليس قالباً جامداً، بل هو منهج حياة مرن قادر على العطاء والإبداع في أشد الميادين مدنية وثقافة. هذا التحول النفسي والإداري الصعب والملهم، صاغه اللواء سمير فرج بفلسفة خاصة في كتابه الفكري «وداعاً للسلاح.. سيرة محارب»؛ إذ يغوص الكتاب في وجدان المقاتل عند مغادرة الخنادق ليوضح أن “وداع السلاح” ليس نهاية العطاء بل هو انتقال من جبهة قتالية إلى جبهة تنموية وفكرية، معتبراً أن العقيدة والانضباط العسكريين هما الوقود الحقيقي للنجاح مدنياً. وفي هذا المؤلف، يبرز الكاتب مفهوم “المحارب الفكري”، سارداً كيف اعتبر تكليفه برئاسة دار الأوبرا المصرية مهمة قتالية أخرى لحماية الهوية ومحاربة الفكر المتطرف عبر القوة الناعمة، حيث نجح في النزول بالفنون الرفيعة إلى المحافظات وإعادة إحياء التراث الموسيقي كخط دفاع أول عن عقول الشباب، وهي النقلة الحضارية التي اعتبرتها الصحافة الدولية دليلاً على قدرته الفذة في إعادة صياغة المشهد الثقافي وتوظيفه كأداة لبناء الأمم وتشكيل وعيها الجماعي.

لكن التجربة التنفيذية الأبرز، والتي ستبقى محفورة في ذاكرة الأجيال، هي قيادته للأقصر التاريخية؛ هناك، في أرض الملوك والآلهة، تجلى نسر طيبة كمهندس للتنمية المستدامة، وهي التجربة التي أفرد لها كتاباً يعد مرجعاً علمياً في إدارة المحليات بعنوان «سبع سنوات في طيبة.. تجربة محافظ». في هذه الأوراق، يشرح المؤلف كيف رفض الحلول المؤقتة منذ اليوم الأول ليضع مخططاً استراتيجياً شاملاً للمدينة حتى عام 2030 بالتعاون مع الأمم المتحدة، محولاً إياها إلى متحف عالمي مفتوح، وهي الرؤية الفريدة التي جعلت مجلة “The Epics” العالمية تفرد له تقريراً مطولاً يشيد بعبقريته الإدارية والعسكرية التي ساهمت بوضوح في تشكيل أمجاد الأمة، واصفة إياه بالقائد الموسوعي الذي استطاع الربط بين الإرث التاريخي العريق والتحديث العصري الشامل.

ويوثق كتاب طيبة تفاصيل معارك إدارية وإنسانية بالغة التعقيد، لعل أبرزها ملحمة إعادة إحياء “طريق الكباش” الأثري ونقل سكان منطقة “القرنة” من فوق المقابر الفرعونية إلى مدينة جديدة حضارية. وبفضل حنكته القيادية القائمة على الإقناع والحوار المستمر مع الأهالي وتوفير البدائل العادلة، أصبح المواطن الأقصري شريكاً حقيقياً في صنع المجد وليس متضرراً منه. وبجانب الحجر والأثر، بنى البشر عبر تأسيس مكتبة مصر العامة بالأقصر لتكون منارة للوعي، وطور الكورنيش والبنية التحتية والمستشفيات، ليقدم دليلاً عملياً على أن القرار الشجاع والإدارة المنضبطة الخالية من البيروقراطية هما سر نهضة المجتمعات، الأمر الذي لفت أنظار المجتمع الدولي لكفاءة المدرسة القيادية المصرية في إدارة الأزمات المحلية بروح عالمية الحرفية والنزاهة.

واليوم، لا يزال نسر طيبة يحلق في سماء الفكر والاستراتيجية كأحد أبرز الخبراء في الشرق الأوسط، يحلل قضايا الأمن القومي والصراعات الدولية بقلم وطني صادق ورؤية تستشرف المستقبل عبر مقالاته ومؤلفاته، مستمراً في تقديم التوجيه الفكري الذي تنهل منه الدوائر الاستراتيجية الكبرى. إن مسيرة اللواء سمير فرج، والتي توجت بالاحتفاء الدولي المرموق والكتابة عنه في كبريات المجلات العالمية كقائد ملهم صانع للأمجاد، ستبقى مدرسة حية تُلهم الأجيال الصاعدة، وتؤكد أن المقاتل الحقيقي لا يتقاعد عن خدمة وطنه أبداً، بل يستبدل سلاحه بفكر وقلم ورؤية، ليظل دائماً حارساً لأمن هذا الوطن، ونسراً مصرياً أصيلاً يحمي الهوية ويسهم في بناء المستقبل في كافة الميادين بتميز وجدارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock