
إن القراءة المستفيضة في الرؤية الاستراتيجية التي طرحها معالي اللواء دكتور سمير فرج في مقاله الأخير، تضعنا أمام تحول جذري في مفهوم القوة العسكرية؛ حيث لم يعد التفوق يقاس فقط بحجم الترسانة، بل بمدى القدرة على دمج “العقل الاصطناعي” في مفاصل العمل القتالي والمؤسسي. إن هذا الطرح يغوص في أعماق تلك العلاقة الجدلية بين التكنولوجيا والحروب، مستعرضاً كيف تحول الذكاء الاصطناعي من ترف تكنولوجي إلى ضرورة حتمية لإدارة صراعات القرن الحادي والعشرين.
تبدأ القصة من تلك القاعدة التاريخية التي أكد عليها اللواء سمير فرج، وهي أن الجيوش دائماً ما تقف على حافة الابتكار؛ فإما أن تخترع التقنية لتستخدمها (كالرادار)، أو تقتنصها من العالم المدني لتطويعها (كالحاسبات وبحوث العمليات). ولعل النموذج الذي ساقه المقال لشخصية “روبرت ماكنامارا” يمثل نقطة التحول الكبرى في التاريخ العسكري المعاصر، حيث استطاع رجل قادم من خلفية اقتصادية وإدارية صلبة أن ينقل “روح الإدارة” إلى أروقة “البنتاجون”. هذه النقلة لم تكن مجرد تنظيم إداري، بل كانت ولادة لما عرف بـ “بحوث العمليات”، وهو العلم الذي منح القادة القدرة على اتخاذ قرارات مبنية على الأرقام والاحتمالات بدلاً من التقديرات الشخصية الصرفة، مما سمح بمفاضلة دقيقة بين البدائل، سواء في نوعية السلاح المستخدم أو في توقيت وتكلفة العمليات.
وفي هذا السياق، تبرز الريادة المصرية التي وثقها المقال من خلال مدرسة “اللواء هلودة” وتلاميذه من القادة العظام، حيث أدركت العسكرية المصرية مبكراً أن العلم هو القائد الحقيقي في الميدان. إن توظيف بحوث العمليات في القوات المسلحة المصرية، ومن ثم انتقال هذا الفكر للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ومركز إدارة الأزمات، يعكس وعياً استراتيجياً مبكراً بضرورة رقمنة القرار القومي، وهو ما مهد الطريق لاستيعاب التقنيات الأحدث مثل الذكاء الاصطناعي في عصرنا الحالي.
أما عن جوهر الذكاء الاصطناعي في العمل العسكري، فإن المقال يطرح رؤية متوازنة تجمع بين المزايا والمخاطر. فبينما يمنح الذكاء الاصطناعي القادة قدرات هائلة على “التحليل التنبؤي” لسلوك العدو وتحديد أدق الثغرات في دفاعاته الجوية، فإنه في الوقت ذاته يفتح الباب لسباق تسلح معلوماتي محموم. وكما أشار معالي اللواء، فإن وفرة البيانات العسكرية المتاحة عالمياً تجعل من الذكاء الاصطناعي أداة لاستنباط نوايا الآخرين، مما يفرض على إدارات البحوث العسكرية ضرورة تأهيل أطقمها ليس فقط لاستخدام التقنية، بل لحماية بياناتها من قدرات الذكاء الاصطناعي لدى الخصوم.
إن الرسالة الأهم التي حملها المقال هي أن التفوق التكنولوجي، مهما بلغت ذروته، لن يقصي “العقل البشري” من صدارة المشهد. فالذكاء الاصطناعي يظل “خادماً ذكياً” يعالج ملايين الاحتمالات في ثوانٍ، لكنه يفتقر إلى الحدس العسكري والبعد الأخلاقي اللذين يمتلكهما القائد الإنسان. إننا بصدد مرحلة جديدة يكون فيها الذكاء الاصطناعي هو المحرك الخلفي للقرارات الاستراتيجية، وهو ما سيغير وجه الحروب القادمة بجعلها أكثر دقة، وأقل كلفة بشرية، وأكثر اعتماداً على هندسة البيانات.



