
في السياسة لا تتحرك حاملات الطائرات عبثا ولا تحلق القاذفات الاستراتيجية لمجرد الاستعراض حين تكشف سي إن إن عن تعزيزات عسكرية أمريكية مكثفة في الشرق الأوسط قبيل محادثات مرتقبة مع إيران في جنيف فإن الرسالة تتجاوز حدود المناورة إلى منطق الضغط المباشر على طاولة التفاوض
الولايات المتحدة تدير المشهد بعقلية العصا الغليظة وهي تدخل جولة تفاوض تصفها الدوائر الدبلوماسية بالمصيرية ملف البرنامج النووي الإيراني لم يعد مجرد خلاف تقني حول نسب تخصيب أو آليات تفتيش بل تحول إلى عقدة أمن قومي إقليمي ودولي تتشابك فيها حسابات الردع والهيمنة وتوازن القوى
واشنطن تريد اتفاقا بشروط أكثر صرامة يضمن تقليص قدرة طهران على المناورة النووية ويعيد ضبط إيقاع النفوذ الإيراني في المنطقة أما طهران فتتعامل مع الضغوط باعتبارها امتدادا لسياسة الابتزاز وتراهن على عامل الوقت وعلى شبكة تحالفاتها الإقليمية وقدرتها على رفع كلفة أي مواجهة مباشرة
التعزيزات الجوية والبحرية ليست مجرد استعراض عضلات بل هي بناء لخيارات عسكرية جاهزة في حال انهيار المسار الدبلوماسي وهي أيضا محاولة لفرض سقف تفاوضي منخفض على الجانب الإيراني عبر إظهار أن البديل عن الاتفاق ليس الفراغ بل التصعيد
لكن التاريخ القريب يقول إن لعبة حافة الهاوية محفوفة بالمخاطر أي خطأ في الحسابات قد يحول الرسائل العسكرية إلى شرارة اشتباك واسع لا تحتمله منطقة مثقلة بالأزمات من غزة إلى البحر الأحمر ومن العراق إلى لبنان
المفارقة أن الطرفين يدركان كلفة المواجهة الشاملة ومع ذلك يواصلان رفع مستوى الضغط كل منهما يريد أن يدخل قاعة التفاوض من موقع القوة لا من مقعد الدفاع وفي هذا التوازن الدقيق بين الردع والانفجار يتحدد مصير جنيف
السؤال الحقيقي ليس هل ستنجح المحادثات بل إلى أي مدى يستطيع الطرفان ترجمة استعراض القوة إلى تنازلات محسوبة قبل أن تتحول لغة الطائرات والبوارج إلى لغة النار
المنطقة تقف على حافة احتمالين اتفاق يعيد ترتيب المشهد أو تصعيد يفتح أبوابا يصعب إغلاقها وبين الاحتمالين تتحرك واشنطن وطهران فوق خيط رفيع لا يحتمل الزلل



