
اعلموا أن الوسطية دليل قوة وثبات، وذلك لأن الوسط هو مركز القوة في كل شيء فالشباب مثلا يمثل القوة وهو وسط بين الطفولة والشيخوخة، والشمس في وسط النهار أقوى منها في طرفيه، وهذه القوة إستندت في قوتها إلى وسطية القاعدة التشريعية الإسلامية، لأن وسطية القاعدة تعني قدرتها على ضبط علاقات الناس في شتى مجالات الحياة ضبطا محكما وملائما إستنادا إلى تجرد القاعدة الشرعية الإسلامية ذاتها، بكونها ربانية المصدر، وهي لهذا السبب تتحرر من كل ما يستبد بها فهي لا تخدم فئة معينة، بل تهدف إلى إرضاء جميع المخاطبين بأحكامها، وكما أن الوسطية دليل العدل ولعل هذا من نافلة القول لكنه أثر لا يخفى وكيف والوسطية نفسها عدل، إن التشريع كله عدل ووسط مع الله جل وعلا ومع النفس ومع الناس فيقول القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله العدل بين العبد وربه بإمتثال أوامره، وإجتناب مناهيه، وبين العبد وبين نفسه بمزيد من الطاعات.
وتوقي الشبهات والشهوات، وبين العبد وبين غيره بالإنصاف، وبالعدل تستقيم دنيا الناس وهذا هدف من أهداف الوسطية، ويقول ابن تيمية رحمه الله وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل، الذي فيه الإشتراك في أنواع الإثم، أكثر ما تستقيم مع الظلم في الحقوق، وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، وإذا عمل الناس بالشرع الذي هو الوسطية تحقق العدل، فالشرع هو العدل، والعدل هو الشرع، ومن حكم بالعدل فقد حكم بالشرع، فإن هذا الشرع المنزل كله عدل، ليس فيه ظلم ولا جهل، وفي قوله تعالى ” ولا يجرمنكم شنآن قوم علي ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوي ” ويعلق ابن تيمية رحمة الله بقوله “وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار، وهو بغض مأمور به، فإذا كان البغض الذي أمر الله به قد نهى صاحبه أن يظلم من أبغضه، فكيف في بغض مسلم بتأويل أو بهوى نفس؟ فهو أحق أن لا يظلم، بل يعدل عليه”
وإعلموا أن دين الإسلام هو دين السماحه والوسطية والإعتدال، وبالرغم من الكثرة ذكر الوسطية والتأكيد على معانيها في الكتاب والسنة إلا أن حقيقة الوسطية ومفهومها الصحيح غير معروفة لدى كثير من المسلمين، ويمكن تصنيف المسلمين حسب مفهومهم للوسطية إلى فئتين هما فئة فهمت المعنى الحقيقي للوسطية كما جاءت في الكتاب والسنة مدركة أن الشريعة الإسلامية جارية في التكيف بمقتضاها على طريق الوسط العدل، والأخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه ولا انحراف، تكليف جار على موازنة تقتضي من جميع المكلفين غاية الاعتدال والتوسط مع إدراك هذه الفئة أن الإفراط والتفريط مغاير لقصد الشارع، فكان منهجها الاعتدال والوسطية، وفئة قد فهمت الوسطية فهما خاطئا منحرفا، ولهذه الفئة اتجاهان، وهما إتجاه يرى أن الوسطية تعني التساهل والتنازل فوقعت في فهمها على جانب الإنحراف لا الوسط، فإذا رأت مسلما ملتزما بدينه يمارس تعاليم الدين.
كما أرادها الشرع قالت له دين الله يسر لماذا هذا التشدد والغلو؟ فتعتبر الورع والأخذ بالعزائم، أو دعوة الناس إلى الإلتزام بها من قبيل الغلو والتشدد، وهذا قول فاسد يدل على عدم فهم قائله لحقيقة الوسطية التي أرادها الشرع، وأيضا إتجاه مندفع متحمس وهذا أيضا وقع على إحدى طرفي التوسط لا الوسطية نتيجة عدم فهمهم لحقيقة الوسطية المرادة في الكتاب والسنة، وهؤلاء يتهمون كل من لم يشاركهم فهمهم وطريقتهم وإن كان من أصحاب المنهج الحق والوسطية بالتساهل والتهاون، بل وأحيانا بالتنازل والممالأة، والعجب أنهم يدعون الوسطية بقولهم ويخالفوها بفعلهم، وبما سبق نعلم أن الوسطية والإعتدال في الإسلام سمة له راسخة في تعاليمه وأهدافه ووسائله، تميز بها عن غيره من المناهج والتشريعات، فحق لأفراده أن يمتازوا عن غيرهم بالشهادة عليهم لكونهم عدول وسط، وما أغلاها من نصيحة نبوية نافعة، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
“والقصد القصد تبلغوا” رواه البخاري، ويقول صاحب فتح الباري ” والقصد أي الأخذ بالأمر الأوسط، أي الزموا الطريق الوسط المعتدل، ومنه قوله في حديث جابر بن سمرة عند مسلم كانت خطبته قصدا أي لا طويلة ولا قصيرة” وتبلغوا أي تصلوا إلى غايتكم وهدفكم، فأمتنا أمة عدل وخيار ووسط، ومعني “أمة وسطا ” يعني عدولا خيارا، وخير الأمور أوسطها، فأما سبب كوننا أمة وسطا، فقد ذكره المفسرون قائلين “أمة وسطا” بين الغلو والتقصير، فإنكم لم تغلو غلو النصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهية، ولم تقصروا تقصير اليهود حيث وصفوا مريم بالزنا وعيسى بأنه ولد الزنا”



