
ما أكثرَ ما نمضي في هذه الحياةِ ونحنُ نظنُّ أننا أمسكنا بكلِّ الحكايةِ بمجردِ أننا قرأنا طرفاً منها، هكذا تماماً يقعُ البعضُ في فخِّ القراءةِ العجلى للنصوصِ القرآنية؛ فتقفُ أمام آيةٍ تضعُ قاعدةً عامةً فسيحةً، ثم تجدُ في آيةٍ أخرى ما يبدو كأنه يُضيّقُ هذا الإطلاقَ أو يُقيده، فيثورُ في النفسِ سؤالٌ حائر:
أليسَ في هذا اضطرابٌ وتضارب بين الآيات؟
والحقيقةُ أنَّ هذا الشعورَ بالتعارضِ ليس نابعاً من النصِّ الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه.
بل هو غشاوةٌ على عينِ القارئِ الذي فَصلَ الجسدَ عن الروح، وفصلَ القاعدةَ عن سياقِها.
فالمطلقُ والمقيّدُ في القرآنِ ليسا خصمينِ في معركةٍ بيانية، بل هما شريكانِ في تمام الحكمةِ، يرسمانِ معاً لوحةً لا تكتملُ إلا باجتماعِ أجزائها.
نحنُ حين نقرأُ في القرآنِ دعوةً للعدلِ والإحسانِ في قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
[سورة النحل: 90]
نرى أمامنا عالماً من القيمِ السامقة، فإذا ما أكملنا المسيرَ ووجدنا اللهَ يطالبنا بأن نكون قوامين بالقسط:
﴿وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾
[سورة النساء: 135]
توهمنا أنَّ هذا التخصيصَ للشهادةِ وللأهلِ قد يضيقُ على المبدأِ الأول، بينما الواقعُ أنَّ هذا القيدَ هو الذي يحمي العدل من أن يذوبَ في دهاليزِ العاطفةِ والمصلحة، فهو ليس قيداً يكبّل، بل هو قالبٌ يمنحُ العدلَ صلابتَه وقدرتَه على المواجهة، فالإحسان إلى ذوى القربى مقيد بالعدل وعدم المجاملة أو المحاباة.
ولا تلبثُ أن تجدَ هذا التوازنَ البديعَ في برِّ الوالدين؛ فنحنُ مأمورون بالإحسانِ بالوالدين مطلقاً:
فى قوله تعالى :
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
[سورة الإسراء: 23]
لكنَّ الحياةَ تضعنا في لحظاتِ اختبارٍ كبرى، حين يُطلبُ من الإنسانِ ما يخالفُ عقيدتَه، فإذا بالقرآنِ يقولُ بوضوح:
﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾
[سورة لقمان: 15]
وهنا تظهرُ روعةُ هذا السردِ القرآني، فهو يضبطُ إيقاعَ العاطفةِ فلا تجمحُ، ويحفظُ قدسيةَ الحقِ فلا تضيع، فالإحسانُ الذي طلبه في الآيةِ الأولى ظلَّ باقياً، لكنه تكيّفَ مع مقامِ العقيدة في الآية الثانية، وكأنَّ النصَّ يقولُ لنا إنَّ الحياةَ كلٌ لا يتجزأ، فالإحسان للوالدين فريضة دائمة، واستثناؤها الوحيد هو حال دعوتهما للابن للمعصية أو الشرك، فهنا فقط لا تجوز الطاعة، ويبقى الإحسان إليهما باقيا، حتى مع الإختلاف العقدي معهما.
وكذلك حين ننظرُ إلى الصيامِ، ذاك التكليفُ الذي كتبَه اللهُ علينا مطلقاً في قوله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة: 183]
فإذا ما سألنا عن ذاك المريضِ أو المسافرِ الذي لا يطيقُ صبراً، وجدنا الجوابَ يتدفقُ رحمةً في الآيةِ التي تليها مباشرةً:
﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [سورة البقرة: 184]
وهذا التناغمُ هو سرُّ بقاءِ هذا الدينِ حياً في نفوسنا؛ فهو يطلبُ الكمالَ في المبدأ، لكنه يرفقُ بنا في الأداء.
ومثلُ ذلكَ في الإنفاق، فاللهُ يأمرُنا بالبذلِ في سبيلِه:
﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: 195]
لكنه يربطُ هذا البذلَ بـ:
﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾
[سورة الطلاق: 7]
فكأنَّ القرآنَ ههنا يحمي الفقيرَ من الشعورِ بالدونية، ويحمي الغنيَّ من التخلي عن واجبِه، فينسجُ علاقةً اجتماعيةً قائمةً على العدلِ والقدرة، لا على الإطلاقِ المجردِ الذي قد يظلمُ الناسَ أو يُحمّلهم ما لا يطيقون.
إنَّ حكايةَ المطلقِ والمقيّدِ في القرآنِ هي في حقيقتِها حكايةُ توازنِ الوجود، فلو كانَ النصُّ كلُّه إطلاقاً لصارَ أمنياتٍ، ولو كانَ كلُّه قيوداً لصارَ عناءً، لكنه هذا الجمعُ البديعُ الذي يجعلُنا ندركُ أنَّ كلَّ حرفٍ وضعَه اللهُ في موضعِه كان ضرورةً ليظهرَ المعنى في أبهى تجلياتِه.
والذين يرونَ في هذا التكاملِ تناقضاً، هم كمن ينظرُ إلى أجزاءٍ من لوحةٍ فنيةٍ عظيمةٍ ويحتارُ في اختلافِ ألوانِها، متجاهلين أنَّ تباينَ الألوانِ هو عينُ ما يمنحُ اللوحةَ عمقَها وجمالَها.
فالمطلقُ والمقيّدُ جناحانِ لكيانٍ واحد، يحلّقُ بهما المبدأُ في سموّه، ويمشي بهما الإنسانُ على أرضِه، في حياةٍ لا تعرفُ التناقض، بل تعرفُ كيف توفقُ ببراعةٍ بين ثباتِ القيمِ ومرونةِ التنزيل، لتظلَّ النصوصُ -كما كانت دائماً-
مرآةً صافيةً للرحمةِ والحكمةِ في آنٍ واحد .



