مقالات وآراء

الله أكبر… حين تنسى الأمة سرَّ نهوضها

أشرف ماهر ضلع 

 

 

لماذا تحتاج الدول الإسلامية إلى إدراك المعنى الحقيقي للتكبير؟

في كثيرٍ من بلاد العالم الإسلامي يرتفع الأذان خمس مراتٍ كل يوم، وتتردد عبارة “الله أكبر” فوق المآذن، وفي البيوت، وفي مواسم الأعياد والحج، حتى أصبحت جزءًا من المشهد اليومي المعتاد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بمرارة:

هل ما زالت الأمة تدرك المعنى الحقيقي لهذه الكلمات؟

وهل تحوّل التكبير في واقعنا إلى روحٍ تبني الإنسان، أم بقي مجرد صوتٍ يمرّ على الأذن ثم يذوب في ضجيج الحياة؟

إنّ أخطر ما يمكن أن يصيب الشعائر ليس غيابها، بل اعتيادها حتى تفقد تأثيرها في النفوس. فالتكبير ليس لفظًا دينيًا عابرًا، وليس مجرد افتتاح للصلاة أو شعارًا للمناسبات، بل هو أعظم إعلانٍ للتحرّر الروحي في تاريخ الإنسان.

حين يقول المسلم: “الله أكبر”، فهو لا ينطق جملةً لغوية فقط، بل يعيد ترتيب الكون داخل قلبه؛ يضع الله فوق الخوف، وفوق المال، وفوق السلطة، وفوق الشهوة، وفوق كل قوةٍ تتوهّم أنها تتحكم في مصير البشر.

ومن هنا تبدأ أزمة كثير من الدول الإسلامية؛ إذ رفعت صوت التكبير، لكنها لم تُدخل معناه الحقيقي إلى مؤسساتها، وتعليمها، وعدالتها، وسلوكها العام. فكيف تكون “الله أكبر” حاضرةً على الألسنة، بينما الظلم ينهش بعض المجتمعات؟ وكيف تُرفع فوق المآذن، ثم يهان الإنسان أو يُسحق الفقير أو يُسرق الحق؟ إنّ التكبير الحقيقي لا ينفصل عن العدل، لأنّ من يؤمن أن الله أكبر من الجميع، يدرك أن لا أحد يملك حق التجبّر على الناس.

لقد تحوّل العالم اليوم إلى غابةٍ ضخمة تتصارع فيها القوى الكبرى على النفوذ والثروات والعقول، وأصبحت كثير من الدول الإسلامية تعيش حالة ارتباك حضاري، كأنها فقدت البوصلة التي كانت تجعلها يومًا قائدةً للعالم في العلم والقيم والإنسانية. والسبب العميق وراء ذلك ليس ضعف الموارد وحده، بل ضعف المعنى.

حين غاب المعنى الحقيقي للتكبير، صار بعض الناس يكبّرون في المساجد، ثم يركعون في الخارج أمام المال أو المنصب أو النفوذ. والتكبير الذي لا يحرّر الإنسان من عبودية الدنيا يبقى صوتًا بلا أثر، مثل مطرٍ يسقط على أرضٍ من زجاج.

إنّ الأمة الإسلامية لا تحتاج فقط إلى مشاريع اقتصادية أو تحالفات سياسية، بل تحتاج أولًا إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل. فالتكبير في جوهره تربيةٌ للنفس على الكرامة، وعلى الثقة بالله، وعلى رفض الهزيمة النفسية.

وحين سادت هذه الروح في صدر الإسلام، استطاع المسلم البسيط أن يواجه إمبراطوريات ضخمة، لا لأنه كان يملك السلاح الأقوى، بل لأنه كان يملك يقينًا أكبر.

لقد فهم المسلمون الأوائل أن “الله أكبر” ليست صرخة حماس مؤقتة، بل منهج حياة. لذلك بنوا حضارةً امتد نورها من الأندلس إلى آسيا، وأقاموا صروح العلم والفلسفة والطب والهندسة، لأنهم آمنوا أن الله أكبر من الجهل، وأكبر من العجز، وأكبر من المستحيل.

أما حين يتحول التكبير إلى مجرد طقس صوتي، تفقد الأمة أحد أهم مصادر قوتها النفسية والحضارية. فالكلمات العظيمة إذا انفصلت عن السلوك تصبح مثل راياتٍ مرفوعة فوق مدنٍ مهجورة.

إنّ الدول الإسلامية اليوم بحاجة ماسّة إلى أن تعيد قراءة معنى التكبير قراءةً حضاريةً وإنسانيةً شاملة. تحتاج إلى أن تفهم أن “الله أكبر” تعني أن العدالة أكبر من المصالح الضيقة، وأن العلم عبادة، وأن بناء الإنسان مقدَّم على صناعة الضجيج، وأن كرامة المواطن ليست مِنّةً من أحد، بل حقٌّ أوجبه الدين قبل القوانين.

كما أنّ إدراك معنى التكبير الحقيقي يخلق أمةً لا تخاف المستقبل. فالشعوب التي تؤمن بالله حقًا لا تعيش أسيرة الذعر واليأس والانكسار، لأنها تدرك أن القوة ليست فيما تملكه اليد فقط، بل فيما يسكن القلب من يقين.

ولعلّ من أعظم الدلالات الروحية للتكبير أنّه يساوي بين البشر أمام عظمة الخالق. ففي الحج يقف الغني والفقير، والحاكم والبسيط، والثري والعامل، بثيابٍ متشابهة، يرددون النداء نفسه. هناك تسقط أوهام التفوق المصطنع، وتبقى حقيقة واحدة: أن الإنسان لا يرتفع إلا بعمله وتقواه.

إنّ العالم الإسلامي لن ينهض بالشعارات وحدها، ولن يغيّره الغضب المؤقت، بل ينهض حين يتحول التكبير من كلمة تُقال إلى وعيٍ يُعاش. حين يصبح الإنسان المسلم صادقًا في عمله، عادلًا في حكمه، رحيمًا في تعامله، مبدعًا في علمه، قويًا في أخلاقه… عندها فقط يصبح للتكبير أثره الحقيقي.

إنّ “الله أكبر” ليست مجرد بداية للصلاة، بل بداية لمشروع نهضةٍ كامل، يبدأ من القلب ثم يمتد إلى المجتمع والدولة والحضارة.

وحين تدرك الأمة هذا المعنى، ستعرف أن سرّ قوتها لم يكن يومًا في كثرة العدد وحدها، بل في عمق الإيمان الذي يجعل الإنسان يرى الدنيا كلها ص

غيرةً أمام عظمة الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock