
من حق السينما أن تقترب من القضايا الشائكة، وأن تكشف أوجه القصور والخلل داخل أي منظومة مجتمعية، لكن من واجبها أيضاً أن تلتزم بالحد الأدنى من التوازن والموضوعية، حتى لا يتحول النقد إلى تشويه، أو تتحول الدراما إلى أداة لترسيخ صورة ذهنية بعيدة عن الواقع.
ومن هذا المنطلق، أثار فيلم «برشامة» حالة من الجدل، ليس لأنه ناقش أزمة التعليم، ولكن بسبب الطريقة التي قدم بها هذه الأزمة، والتي اتسمت بالمبالغة في السرد الدرامي وتقديم صورة أحادية الجانب لمنظومة تعليمية تضم ملايين الطلاب وآلاف المؤسسات والمعلمين.
اعتمد الفيلم على فكرة أن كل مفردات العملية التعليمية تعاني الانهيار؛ المدرسة متهالكة، والإدارة غائبة، والمعلم فاقد لدوره، والطالب لا يبحث إلا عن الغش أو الهروب من التعليم، في مشهد يبدو وكأنه يعكس واقعاً واحداً لا استثناء فيه.
هذه المعالجة قد تحقق قدراً من الإثارة الدرامية، لكنها في الوقت نفسه تبتعد عن طبيعة الواقع، الذي يضم بلا شك تحديات ومشكلات، لكنه يضم أيضاً نماذج ناجحة وتجارب تطوير مستمرة.
فالدراما الناجحة لا تنقل الواقع بالأبيض أو الأسود، بل تقدم صورة أكثر عمقاً وتوازناً، تسمح للمشاهد بفهم المشكلة دون أن تدفعه إلى الاعتقاد بأن الانهيار أصبح هو القاعدة المطلقة.
تشويه صورة المدرسة المصرية
أحد أكثر الجوانب التي أثارت الانتقادات هو الطريقة التي ظهر بها المبنى التعليمي داخل الفيلم، حيث قُدمت المدرسة باعتبارها مكاناً يفتقد أبسط مقومات الحياة، في مشاهد توحي بأن البنية الأساسية للتعليم في مصر لم تشهد أي تطوير.
ورغم وجود تحديات تتعلق بالكثافات الطلابية أو احتياجات بعض المدارس إلى التطوير والصيانة، فإن تجاهل ما شهدته السنوات الأخيرة من توسع في إنشاء المدارس الجديدة، وتطوير الفصول، وإدخال التكنولوجيا والمنصات الرقمية، يجعل الصورة التي قدمها الفيلم غير مكتملة.
فالعمل الفني عندما يتناول مؤسسة وطنية بحجم التعليم، لا ينبغي أن يغفل الجهود المبذولة لتطويرها، حتى وإن كان هدفه الأساسي هو النقد.
المشكلة الحقيقية في “برشامة” ليست أنه انتقد التعليم، بل أنه اختار التركيز على أسوأ الاحتمالات وتقديمها باعتبارها الحقيقة الوحيدة.
فالسيناريو تجاوز عمداً أي إشارات إلى برامج تطوير المناهج، والتحول الرقمي، وإنشاء المدارس التكنولوجية، والتوسع في الجامعات الأهلية، وغيرها من الخطوات التي تمثل جزءاً من المشهد التعليمي الحالي.
ومن حق أي عمل فني أن يختار زاوية معالجته، لكن عندما يتم حذف كل الجوانب الإيجابية وإبراز السلبيات فقط، فإن النتيجة تكون أقرب إلى صناعة حالة من الإحباط المجتمعي منها إلى تقديم نقد بناء.
النقد الحقيقي يسلط الضوء على أوجه القصور بهدف الإصلاح، أما التشويه فيقوم على تعميم الأخطاء وإلغاء كل ما عداها.
وفي حالة “برشامة”، بدا أن الرغبة في خلق تأثير درامي قوي دفعت صناع العمل إلى المبالغة في رسم صورة قاتمة لمنظومة التعليم، وكأنها فقدت تماماً قدرتها على أداء دورها، وهو ما لا يتفق مع الواقع بكل تعقيداته وتنوعه.
فالمنظومة التعليمية في أي دولة تواجه تحديات مستمرة، لكن اختزالها في عدد من المشاهد السلبية قد يرسخ انطباعات غير دقيقة لدى المشاهد، خصوصاً لدى الأجيال الأصغر سناً.
أرى أن فيلم “برشامة” أخطأ في طريقة معالجته لقضية التعليم، إذ اعتمد على تضخيم المشكلات وتجاهل التطورات التي شهدها هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة.
وكان من الممكن أن يقدم رسالة أكثر تأثيراً لو أنه وازن بين التحديات القائمة وجهود الإصلاح، بدلاً من تقديم صورة توحي بأن المؤسسة التعليمية تعيش حالة انهيار كامل.
فالدراما تمتلك قوة كبيرة في تشكيل الوعي العام، ولذلك فإن مسؤوليتها لا تقل أهمية عن حريتها في النقد.
يبقى من حق الفن أن يناقش أزمات المجتمع، لكن نجاحه الحقيقي يقاس بقدرته على تقديم صورة متوازنة تعكس الواقع بكل أبعاده، لا أن تكتفي بتضخيم جانب واحد منه.
ولعل الجدل الذي أثاره “برشامة” يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول دور السينما في تناول القضايا الوطنية، وكيف يمكن أن تتحول من مجرد أداة لإثارة الصدمة إلى وسيلة لبناء الوعي وتعزيز الثقة في قدرة المجتمع على الإصلاح والتطوير.



