
في موكب مهيب يلفه جلال الحزن وأصداء الفقد، ترجل فارس جديد عن صهوة الإبداع العربي، ودعت الساحة الفنية والثقافية اليوم قامة شاهقة من قامات زمن الفن الجميل، الفنان القدير عبد العزيز مخيون، الذي وافته المنية عن عمر يناهز الواحد والثمانين عامًا، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الفني والفكري تركت بصمات خالدة في وجدان السينما والمسرح والتلفزيون، ونعت النقابات الفنية والمؤسسات الثقافية ببالغ الأسى واللوعة هذا الراحل الكبير، مؤكدة أن رحيله يمثل خسارة فادحة لثروة مصر الإبداعية وقوتها الناعمة، حيث كان الراحل نموذجًا فريدًا للفنان المثقف الملتزم بقضايا وطنه وأمته، والمخلص لفنه حتى الأنفاس الأخيرة.
ولم يكن عبد العزيز مخيون مجرد ممثل يمر عبر الشاشات، بل كان صاحب مدرسة أداء تميزت بالعمق والهدوء الرصين والقدرة الفائقة على النفاذ إلى جوهر الشخصيات التي يجسدها، فمنذ بداياته الأولى وشغفه بالمسرح الذي صقل موهبته، لفت الأنظار بقدرته على تقديم الأدوار المركبة والمعقدة بكفاءة نادرة، فتراه تارة يجسد المصلح الاجتماعي، وتارة أخرى يغوص في أعماق الشخصيات التاريخية والسياسية ليمنحها أبعادًا إنسانية نابضة بالحياة، وظل طوال مسيرته متمسكًا بالمعايير الفنية الرفيعة، رافضًا الابتذال، ومترفعًا عن السطحية، مما جعله يحظى باحترام واسع من زملائه في الوسط الفني ومن الجمهور العربي الذي رأى فيه دائمًا رمزًا للمصداقية والوقار الفني.
إن غياب هذا الفنان المثقف يترك فراغًا لا يسد في المشهد الإبداعي، لكن عزاءنا الوحيد يكمن في ذلك الإرث الفني الغني والملهم الذي خلفه وراءه، والذي سيظل منارة تضيء طريق الأجيال القادمة من المبدعين، وتذكرنا دائمًا بأن الفن الحقيقي هو الذي يبقى وينفع الناس، رحم الله الراحل الكبير وأسكنه فسيح جناته، وألهم عائلته ومحبيه والأسرة الفنية الصبر والسلوان.



