محافظات

أرض الفيروز.. ترنيمة الوجدان وتطلعات الغد المشرق

كتبت /منى منصور السيد

تظل سيناء دائمًا وأبدًا نبضًا حيًّا في جسد الأمة المصرية، وقصيدةً صاغها التاريخ بأحرف من نور على صفحات الوجود. وفي إطار الاحتفاء بهذه البقعة المباركة وتأكيدًا لمكانتها الروحية والتاريخية الاستثنائية، شهدت أروقة النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر محفلًا فكريًّا وثقافيًّا رفيع المستوى، تجسد في ندوة ملهمة حملت عنوان “سيناء بين الماضي العريق وتطلعات المستقبل”.
أقيمت هذه الفعالية تحت الرعاية الكريمة للأستاذ الدكتور علاء عبد الهادي، رئيس النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر والأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب، ونظمتها لجنة الحضارة المصرية القديمة برئاسة الكاتب والباحث عبد الله مهدي الذي أدار منصة الحوار بحنكة واقتدار، لتمتزج في تلك الأمسية أصوات الباحثين بعبق التاريخ وتطلعات المستقبل الواعد.
استهلت الندوة بفيض من المشاعر الوطنية والروحية التي تليق بأرض الفيروز، حيث أفاض الكاتب والباحث عبد الله مهدي في تبيان تلك الروابط الوجدانية المقدسة التي تجمع المصريين بأرض سيناء. فالحديث عن سيناء هو حديث عن القداسة والطهر اللذين عانقا جبالها ووديانها، وهي التي ورد ذكرها في القرآن الكريم عشرات المرات صراحةً أو إشارةً.
إنها الأرض الوحيدة التي تجلى الله عليها للبشر، فتشرفت بسماع صوت الحق، ونال فيها النبي موسى -عليه السلام- أسمى الألقاب ليكون “كليم الله”. وعلى ترابها المبارك، شهدت الإنسانية مهد أول وحي لكتاب سماوي وهي التوراة، وتنزّل عليها أول طعام من السماء في معجزة “المن والسلوى”.
ولم تكن تلك الروحانيات مجرد سطور في كتاب الزمان، بل هي توثيق لكون سيناء أحد أضلاع المثلث المقدس الذي يضم مكة والقدس، وهو ما تجلى في القسم الإلهي العظيم في سورة التين، ليظل جبل الطور شاهدًا على عظمة المكانة التي بلغت حد تسمية سورة كاملة في القرآن الكريم باسمه.
ولم يقف الإبحار في فضاء سيناء عند حدود الروحانيات، بل امتد ليشمل قراءة واعية في إرثها التاريخي والحضاري الضارب في عمق الزمان. فقد استعرضت المنصة غزارة الآثار التي تحتضنها أرض الفيروز، بدءًا من معبد “سرابيط الخادم” الذي يقف شاهدًا على عظمة المصرى القديم، وصولًا إلى آثار الأنباط التي تزخر بها المنطقة، مثل قصر “ويت” في شمال سيناء، والفرضة البحرية لميناء دهب الذي كان مركزًا حيويًّا يضم مخازن وفنارًا لإرشاد السفن وبيوتًا للعمال. كما حظي التاريخ المسيحي بإضاءات مميزة تنقلت بين دير الوادي بطور سيناء، وأبرشية فيران، وكنائس الشمال، وصولًا إلى درة التاج الروحي دير سانت كاترين.
وتكاملت هذه اللوحة الحضارية بالمرور على الآثار الإسلامية الشامخة؛ كقلعة صلاح الدين بجزيرة فرعون في طابا، وقلعة الجندي بوسط سيناء التي ركعت عند أقدامها جحافل الغزاة، وقلعة نخل التي أمّنت طريق الحج المصري القديم.
وفي سياق متصل، شهدت الندوة أطروحات ثرية قدمها نخبة من المتخصصين؛ حيث شارك الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي للاتحاد العام للأثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، برؤى علمية رصينة تؤصل للمكتنزات الأثرية في سيناء وكيفية حمايتها واستثمارها كقوة ناعمة لمصر. ومن جانب آخر، أضفى الباحث محمد حمادة، المرشد السياحي ورئيس مبادرة “أحفاد الحضارة المصرية”، بُعدًا حركيًّا وتطبيقيًّا من خلال ربط هذا التاريخ بذائقة الأجيال الجديدة وتنشيط الوعي السياحي. وتناغمت معهما الباحثة إسراء عرفة، المتخصصة في الآثار المصرية، بتقديم قراءات دقيقة وتحليلات أثرية تبرز القيمة الفنية والتاريخية المتميزة لتلك الآثار.
إن هذه التظاهرة الثقافية لم تكن مجرد وقوف عند أطلال الماضي أو استغراق في تفاصيله، بل كانت جسرًا ممتدًا نحو غدٍ مشرق يواكب جهود الدولة المصرية الحديثة. وقد تجلى هذا الترابط بين العراقة والتطلع للمستقبل في الإشادة بمشروع “التجلي الأعظم” فوق أرض السلام بمحيط جبلي موسى وسانت كاترين. هذا المشروع الضخم الذي ترعاه الدولة يمثل التقدير الأسمى لهذه الأرض المباركة، ليعيد تقديم سيناء للعالم أجمع كحاضنة تاريخية للديانات السماوية الثلاث، ومقصدًا روحيًّا وسياحيًّا فريدًا يعكس منزلتها الرفيعة في قلب الوطن، ويثبت أن أرض الفيروز ستظل دائمًا واحة للأمن، ومنارة للحضارة، ومستقبلًا واعدًا للتنمية والنماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock