
يعد الاقتصاد غير الرسمى أو ما يعرف باقتصاد الظل واحدا من أخطر التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري في الوقت الراهن لما يمثله من استنزاف للموارد وغياب لجزء كبير من الأنشطة الاقتصادية عن المنظومة الرسمية للدولة وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على معدلات النمو والاستثمار ومستوى الخدمات العامة وقدرة الدولة على تحقيق التنمية المستدامة.
ورغم أن ظاهرة الاقتصاد الموازي موجودة في مختلف دول العالم فإن حجمها في مصر يثير العديد من التساؤلات حول تأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية خاصة مع اتساع نطاق الأنشطة التي تعمل خارج الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة وتشمل قطاعات متعددة تبدأ من الباعة الجائلين والأسواق العشوائية ولا تنتهي عند بعض أنشطة التعدين غير المرخص والتجارة غير المشروعة.
وتكشف المؤشرات الرسمية والدراسات الاقتصادية أن الاقتصاد غير الرسمي في مصر يمثل نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي حيث أشارت تقديرات حكومية سابقة إلى أنه يقترب من ثلث الناتج المحلي الإجمالي بينما رجحت دراسات أخرى أن تتجاوز نسبته أربعين في المئة من حجم الاقتصاد الوطني وهو ما يعني وجود مليارات الجنيهات خارج الدورة الاقتصادية الرسمية.
وتتمثل خطورة هذه الظاهرة في فقدان الدولة لجزء كبير من الإيرادات الضريبية التي يمكن توجيهها لتحسين الخدمات الأساسية وتطوير البنية التحتية كما يؤدي انتشار الأنشطة غير الرسمية إلى خلق بيئة غير عادلة للمستثمرين الملتزمين بالقوانين واللوائح حيث يجد المستثمر الشرعي نفسه في منافسة مع كيانات لا تتحمل أعباء الضرائب أو تكاليف الترخيص والرقابة.
كما أن غياب الرقابة عن كثير من الأنشطة غير الرسمية يفتح الباب أمام تراجع معايير الجودة والسلامة ويؤثر على حقوق المستهلكين ويزيد من مخاطر انتشار منتجات وخدمات لا تخضع لأي معايير معتمدة وهو ما ينعكس سلبا على الاقتصاد الوطني وعلى ثقة المواطنين في الأسواق.
وفي بعض القطاعات الحساسة مثل التعدين واستخراج الذهب تمثل الأنشطة غير المرخصة تحديا إضافيا حيث تؤدي إلى فقدان الدولة لعوائد مالية كبيرة وتؤثر على خطط الاستثمار والتنمية في هذه القطاعات الاستراتيجية كما أن بعض الممارسات غير القانونية المرتبطة بالاتجار في الآثار أو الموارد الطبيعية تمثل تهديدا مباشرا للثروات الوطنية.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن القطاع غير الرسمي يستحوذ على أكثر من نصف إجمالي المنشآت الاقتصادية في مصر وهو ما يعكس حجم التحدي القائم أمام جهود الإصلاح الاقتصادي كما تؤكد تقارير منظمة العمل الدولية أن نسبة كبيرة من العاملين في مصر يمارسون أنشطة أو وظائف غير رسمية بدرجات متفاوتة الأمر الذي يجعل معالجة هذه الظاهرة قضية اقتصادية واجتماعية في آن واحد.
ويرى خبراء الاقتصاد أن مواجهة اقتصاد الظل لا تقتصر على الإجراءات الرقابية فقط بل تتطلب إصلاحات هيكلية شاملة تشمل تبسيط إجراءات الترخيص وخفض الأعباء البيروقراطية وتوسيع نطاق الشمول المالي وتعزيز التحول الرقمي وتقديم حوافز حقيقية للانضمام إلى الاقتصاد الرسمي بما يحقق التوازن بين تشجيع النشاط الاقتصادي وحماية حقوق الدولة والمجتمع.
إن الاقتصاد المصري يمتلك فرصا كبيرة للنمو والانطلاق لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب دمج الملايين من الأنشطة غير الرسمية داخل المنظومة القانونية وتحويل الموارد المهدرة إلى قوة إنتاجية حقيقية تسهم في زيادة الإيرادات ورفع معدلات الاستثمار وتحسين مستوى المعيشة فاقتصاد قوي لا يمكن أن يقوم على مساحات واسعة من النشاط غير المرئي بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تقوم على الشفافية والتنظيم والعدالة الاقتصادية.



