
ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن العلماء والفقهاء وكان من بينهم الإمام العادل عون الدين أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن الحسن بن جهم الشيباني، وهو أحد الوزراء المشهورين، وقيل أنه لما طلب العلم حصل أنه أمضه الفقر، وأعيته الحاجة، واحتاج إلى مورد للكسب، فتعرض للكتابة فصار كاتبا، كما حصل على وظيفة كاتب وتقدم وترقى في الكتابة لدى الخليفة، وصار على مشارف الخزانة، ثم ولي ديوان الزمام، أي ديوان يعتنى بالشئون المالية المدنية والعسكرية، وفيه تحفظ السجلات، وهو من التراتيب الإدارية في الدولة الإسلامية في ذلك الوقت، فلوحظ عليه الأمانة وجودة العمل وإتقانه، فكان قويا أمينا، فتولى ديوان الزمام للخليفة المقتفي لأمر الله، وفي سنة خمسمائة وأربع وأربعون من الهجرة.
قام الخليفة المقتفي لأمر الله بتعيينه وزيرا، واستمر في الوزارة لابنه المستنجد بالله بعد الخليفة المقتفي، وكان ديِّنا، خيِّرا، متعبدا، عاقلا، وقورا، متواضعا، بارا بالعلماء، مكبا، وذلك مع أعباء الوزارة على العلم وتدوينه، كبير الشأن، وكان حسنة الزمان في ذلك الوقت، وكان من مؤلفات ابن هبيرة، أنه شرح الوزير ابن هبيرة الصحيحين، وسماه الإفصاح عن معاني الصحاح، في عشرة مجلدات كما يقول الذهبي، ولما وصل إلى حديث ” من يرد الله به خيرا، يفقهه في الدين” شرح الحديث، وتكلم على معاني الفقه، وآل به الكلام إلى أن ذكر مسائل الفقه المتفق عليها والمختلف فيها بين الأئمة الأربعة المشهورين أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، فكان هذا كتاب فقه فيه أقوال العلماء.
في المسائل المختلفة الفقهية داخل ضمن شرحه لصحيح البخاري وصحيح مسلم ولكن الناس أفردوه عن الكتاب الأصلي، وتم طبعه باسم الإفصاح عن معاني الصحاح، وهو كتاب مهم، ولكنه في الحقيقة قطعة من الكتاب الأصلي في شرح الصحيحين، وهذا الكتاب صنفه في ولايته للوزارة، واعتنى به، وجمع عليه أئمة المذاهب، فكان يعرف آراء المذاهب من أصحابها، وأوفدهم من البلدان لأجل هذا الكتاب، وحضروا عنده، وأنفق على تأليف ذلك الكتاب مائة ألف دينار يدخل فيها نفقات العلماء الذين رحلوا واجتمعوا وتباحثوا في هذا الكتاب، وتكلم بهذا الكتاب، واجتمع خلق عظيم لسماعه، وبُعث به إلى العظماء في أطراف المملكة الإسلامية، واستنسخت منه نسخ كثيرة، وبلغ ذلك الكتاب إلى السلطان نور الدين الشهيد.
واشتغل الفقهاء في ذلك الزمان بكتاب الإفصاح عن معاني الصحاح يدرسونه في المساجد، ويعيده المعيدون، ويحفظ منه الفقهاء، ومن مؤلفاته هو كتاب المقتصد، وهو كتاب في النحو، ومختصر كتاب وهو اصلاح المنطق لابن السكيت، والعبادات الخمس وهو كتاب في مذهب الإمام أحمد، وأرجوزات في المقصور والمدود وأرجوزة في الخط، واختلاف الأئمة
العلماء.



