
مع كل موسم لامتحانات الثانوية العامة يتكرر المشهد نفسه وجوه شاحبة وطلاب يعيشون تحت ضغط نفسي غير مسبوق وأسر تحبس أنفاسها وكأنها تنتظر مصير وطن بأكمله وليس نتيجة امتحان يفترض أنه يقيس مستوى علميا
إذا كان الهدف من الامتحان هو قياس الفهم والقدرة على التفكير فهذا هدف يحظى بتأييد الجميع أما إذا أصبح الهدف هو إثبات أن الامتحان شديد الصعوبة وأن نسبة كبيرة من الطلاب ستعجز عن الإجابة فهنا يجب أن تتوقف المنظومة التعليمية أمام نفسها وتسأل إلى أين نسير
الطالب المصري ليس حقل تجارب وليس من المقبول أن يتحول كل عام إلى ضحية لسياسات متغيرة ومناهج تتبدل وآليات تقييم تثير الجدل أكثر مما تحقق العدالة فالتعليم الحقيقي لا يصنعه امتحان يربك الجميع بل تصنعه مدرسة قوية ومعلم مؤهل ومنهج واضح وعدالة في التقييم
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو لماذا أصبح النجاح في الثانوية العامة يبدو وكأنه معركة بقاء ولماذا يشعر الطالب أن الامتحان صمم لإسقاطه لا لقياس مستواه وهل أصبحت صعوبة الامتحان هي الإنجاز الذي تتباهى به المنظومة بدلا من أن يكون الإنجاز الحقيقي هو تخريج طالب يمتلك العلم والثقة والقدرة على المنافسة
إن أي منظومة تعليمية ناجحة تقاس بمخرجاتها لا بعدد الشكاوى التي تخرج عقب كل امتحان ولا بحجم القلق الذي يعيشه الطلاب ولا بعدد الدروس الخصوصية التي أصبحت بديلا عن المدرسة فإذا كان الطالب يقضي أغلب وقته خارج الفصل الدراسي بحثا عن شرح إضافي فإن هذا مؤشر يستحق المراجعة بكل شجاعة
ومن حق أولياء الأمور أن يتساءلوا لماذا يدفع أبناؤنا هذا الثمن النفسي كل عام ولماذا تتحول الثانوية العامة إلى كابوس يهدد استقرار الأسرة المصرية ولماذا لا يشعر الطالب بالثقة في أن ما درسه طوال العام سيكون هو المعيار الحقيقي داخل لجنة الامتحان
لا أحد يطالب بامتحانات سهلة ولا أحد يريد توزيع الدرجات بلا استحقاق لكن الجميع يطالب بامتحانات عادلة ومتوازنة تحترم عقل الطالب وتقيس ما تعلمه بالفعل وتمنحه الفرصة لإظهار مستواه الحقيقي دون تعقيد غير مبرر أو مفاجآت تهدم عاما كاملا من الاجتهاد
إن إصلاح التعليم لن يتحقق بالشعارات ولن يتحقق بإثبات أن الامتحان كان الأصعب في التاريخ بل يتحقق عندما يشعر الطالب أن الدولة تؤمن به وتستثمر في عقله وتمنحه تعليما يفتح له أبواب المستقبل بدلا من أن يغلقها بالخوف والارتباك
لقد آن الأوان لإجراء مراجعة شاملة وصريحة للمنظومة التعليمية تشارك فيها الدولة والمعلم والجامعة وأولياء الأمور والطلاب لأن مستقبل مصر لا يبنى بامتحان يثير الجدل كل عام وإنما يبنى بمنظومة تعليمية تصنع المعرفة وتزرع الثقة وتصنع جيلا قادرا على البناء والإبداع



