مقالات وآراء

المدرسة ليست في قفص الاتهام… بل في انتظار الإنصاف

بقلم أشرف ماهر ضلع 

كلما تراجعت مخرجات التعليم، ارتفعت أصابع الاتهام نحو المدرسة، وكأنها المتهم الوحيد في قضية معقدة تشارك فيها أطراف عدة. والحقيقة أن تحميل المدرسة مسؤولية هجر الطلاب لها ليس سوى قراءة سطحية تتجاهل الأسباب الحقيقية التي صنعت هذه الأزمة.

فمن الذي أقنع الأسرة المصرية بأن المدرسة لم تعد ذات جدوى؟ ومن الذي رسخ في الأذهان أن السنتر التعليمي هو البديل، وأن الدرس الخصوصي هو الطريق الوحيد إلى التفوق؟ لقد تشكلت على مدار سنوات ثقافة خاطئة اختزلت التعليم في ورقة امتحان، وحولت الطالب من باحث عن المعرفة إلى جامع للدرجات.

 

وأمام هذا التحول، بدأت المدرسة تفقد دورها شيئًا فشيئًا، ليس لأنها عجزت عن أداء رسالتها، بل لأن كثيرًا من أولياء الأمور أنفسهم دفعوا أبناءهم بعيدًا عنها، معتقدين أن ساعات الجلوس في السناتر أكثر نفعًا من الجلوس على مقاعد الدراسة، وأن الملازم المختصرة تغني عن الكتاب المدرسي، وأن الحفظ السريع يغني عن الفهم العميق.

 

لكن جاءت الامتحانات الأخيرة لتكشف الحقيقة دون ضجيج. فقد أثبتت أن الأسئلة أصبحت تقيس الفهم والتحليل والاستيعاب، وهي مهارات لا تُكتسب من الحفظ المجرد، بل تُبنى داخل الفصل الدراسي، بالحوار مع المعلم، والرجوع إلى الكتاب المدرسي، والمناقشة والتفكير.

 

إن المدرسة ليست مكانًا لتلقين المعلومات فحسب، بل هي مصنع للشخصية، ومدرسة للقيم والانضباط والمسؤولية، وميدان للتفاعل الإنساني الذي لا توفره قاعات الدروس الخصوصية، مهما بلغت إمكاناتها.

 

ولذلك، فإن إعادة الاعتبار للمدرسة لم تعد رفاهية، بل ضرورة وطنية. تبدأ بإعادة الثقة بين الأسرة والمدرسة، وتأكيد مكانة الكتاب المدرسي، ودعم المعلم، وإدراك أن التعليم الحقيقي لا يُشترى داخل السناتر، وإنما يُبنى داخل المدرسة.

 

إن إصلاح التعليم لن يتحقق بإلقاء اللوم على المدرسة، بل بإعادة الجميع إلى موقعه الصحيح. فالأسرة شريك، والمعلم قائد، والكتاب المدرسي مرجع، والمدرسة هي القلب الذي إذا عاد إليه النبض، عاد التعليم إلى مساره الصحيح، وعادت الأجيال إلى طريق العلم لا إلى

سباق الدرجات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock