
في المشهد المتوتر الذي يسبق مراسم تشييع المرشد الإيراني، والتي تم إعدادها لتكون حدثاً استثنائياً يستمر ستة أيام، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً يدور حول كيفية تعامل الخصوم مع هذا المحفل الهائل. فبينما تستبعد المصادر الاستخباراتية والدبلوماسية سيناريو التصعيد العسكري المباشر في هذا التوقيت، خاصة في ظل ثلاثة متغيرات رئيسية هي: أولاً، التواجد الرفيع المستوى لوفود دولية كبرى من الصين وروسيا، وثانياً، الإنذارات الإيرانية الصارمة التي هددت برد “قاسٍ وفوري” على أي “سوء تقدير” إسرائيلي، وثالثاً، التركيز السكاني الضخم المتوقع الذي قد يتجاوز المليوني شخص، مما يجعل أي ضربة جوية كارثة إنسانية وإقليمية بامتدادات لا يمكن السيطرة عليها.
إزاء هذا الجمود التكتيكي، يرتفع سقف التوقعات حول خيار بديل، قد يكون أكثر فاعلية وخطورة من الصواريخ في ظل حرب العقول؛ ألا وهو الهجوم السيبراني الشامل.
هذا السيناريو لا يقل خطورة عن الهجوم العسكري، لكنه يرتدي ثوباً غامضاً يصعب تتبع مصادره أو نسبته، وهو ما يمنح منفذيه غطاءً من الإنكار. السيناريو المتوقع في هذا الإطار لا يقتصر على استهداف المنظومة الدفاعية أو مفاعلات الطاقة، وإنما يتجه إلى هدف أكثر حساسية وهو: ضرب “الوعي الجمعي” للحظة التاريخية.
كيف يمكن تحقيق ذلك؟ من خلال:
تدمير البنية التحتية للإعلام والبث المباشر: شن هجمات إلكترونية موجهة ضد الأقمار الصناعية أو خوادم البث التلفزيوني الداخلية، بهدف قطع الإشارة اللحظية للمراسم التي تستمر لساعات. الهدف هو حرمان النظام من المشهد البصري المهيب الذي يسعى لنقله إلى ملايين الشيعة في العالم، وتحويل ما كان مفترضاً أن يكون “ملحمة وطنية ودينية” إلى مشاهد متقطعة وصور مشوشة تعكس الارتباك والفشل التنظيمي.
بث رسائل مشوشة أو مضللة: اختراق الشاشات العملاقة في ميادين طهران والنجف وكربلاء، وبث رسائل معادية، أو صور مشوهة للقادة الجدد، أو حتى تسريبات تظهر خلافات داخل المؤسسة الدينية أو العسكرية حول خلافة المرشد الجديد. هذه الرسائل قد تحدث شرخاً في الصورة النمطية للوحدة الإيرانية.
استهداف التطبيقات التي تنظم الحشود: تعطيل أنظمة الاتصالات والتطبيقات التي تستخدمها الجهات الأمنية لإدارة الحشود المليونية، مما قد يخلق حالة من الفوضى والزحام، ويكشف قدرة النظام الأمني على حماية رموزه في لحظة انتقالية هي الأكثر هشاشة في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
في جوهر الأمر، هذا التوجه السيبراني يُعتبر أداة مثالية لـ ـتفكيك “السردية” الإيرانية التي تعمل طهران بكل قوة على بنائها. فالنظام الإيراني يستثمر في هذه الجنازة لترسيخ ثلاث حقائق كبرى: استمرارية الولاية الدينية، وقوة الحلفاء الإقليميين، وشرعية نظام المرشد الجديد. وبالتالي، فإن أي اختراق لـ “قشرة المشهد الاحتفالي” يمكن أن يحقق لإسرائيل والغرب ما لا تحققه طائرة حربية، وهو:
· إضعاف الهيبة النفسية للقيادة الجديدة في لحظة ميلادها.
· تقويض رسالة التحدي الأمريكية باختيار توقيت 4 يوليو بالتزامن مع عيد استقلال الولايات المتحدة، وتحويل ذلك اليوم من يوم احتفال إيراني إلى يوم ارتباك تقني وإعلامي.
· خلق حالة من الشك داخل الأوساط الشعبية حول قدرة النظام على حماية نفسه، ناهيك عن حماية امتداده المذهبي في العراق.
ومع تأكيد وزير الدفاع الإسرائيلي السابق استهداف مجتبى خامنئي (نجل المرشد)، تُصبح الرسالة السيبرانية “تحذيراً” مزدوجاً؛ إذ تقول: “نحن نستطيع الوصول إلى أبرز رموزكم، وليس بالضرورة عبر صاروخ، بل عبر ثغرة في كود التشييع نفسه”.
، تبدو جبهة الفضاء الإلكتروني هذه المرة هي المعركة الأخطر، لأن إيران تنتظر فيها لحظة سحرية لتسطير فصلاً جديداً من قوتها، بينما يرى خصومها أن إفساد ذلك الفصل هو انتصار استراتيجي لا يحتاج إلى ركام أو غبار، بل إلى مجرد
تعتيم شاشة وقرصنة تردد.



