
في ظل أجواء إقليمية ودولية شديدة التعقيد، جاءت مشاركة الوزير بد عبد العاطى في اجتماع وزراء خارجية مجموعة بريكس بالهند، لتؤكد أن مصر تتحرك بثبات داخل واحدة من أهم التكتلات الدولية الصاعدة، في وقت يشهد العالم مخاوف متزايدة من اتساع دائرة الصراع في الشرق الأوسط، مع تصاعد الحديث عن احتمالات عودة المواجهة العسكرية مع ايران ، وتأثيرات التوترات المرتبطة بمضيق هرمز على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
وتكتسب القمة أهمية استثنائية هذا العام، ليس فقط بسبب الملفات الاقتصادية المطروحة، ولكن لأنها تنعقد في لحظة يترقب فيها العالم تداعيات أي تصعيد جديد في المنطقة، خاصة أن مضيق هرمز يعد أحد أهم شرايين نقل النفط والطاقة عالميًا، وأي اضطراب به ينعكس فورًا على أسعار النفط وحركة التجارة وسلاسل الإمداد الدولية.
تعكس مشاركة مصر في اجتماعات «بريكس» حرص القاهرة على تعزيز دورها داخل النظام الدولي الجديد الذي يتشكل تدريجيًا بعيدًا عن الهيمنة الاقتصادية التقليدية، خاصة بعد انضمامها رسميًا إلى المجموعة التي تضم قوى اقتصادية وسياسية كبرى مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا.
وشهدت الاجتماعات تحركات دبلوماسية مصرية مكثفة، كان أبرزها لقاء الوزير بدر عبد العاطي مع وزير الخارجية الروسى ، حيث تناول اللقاء تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، والتنسيق المشترك بشأن عدد من الملفات المهمة، إلى جانب بحث سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين القاهرة وموسكو.
ويحمل هذا اللقاء أهمية خاصة في ظل التوترات الحالية، حيث تسعى مصر إلى الحفاظ على توازن علاقاتها الدولية مع مختلف القوى الكبرى، مع تأكيد موقفها الداعم لخفض التصعيد ورفض توسيع دائرة الصراعات في المنطقة.
تنعقد اجتماعات «بريكس» بينما يواجه العالم واحدة من أخطر اللحظات الاقتصادية والسياسية خلال السنوات الأخيرة، فالتوترات المرتبطة بمضيق هرمز أعادت إلى الواجهة مخاوف اضطراب إمدادات الطاقة العالمية، خاصة أن نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية تمر عبر هذا الممر البحري الحيوي.
كما أن احتمالات عودة الحرب على إيران تثير قلقًا عالميًا واسعًا، ليس فقط بسبب البعد العسكري، ولكن أيضًا بسبب انعكاساتها الاقتصادية المباشرة على أسعار الطاقة والتضخم وحركة التجارة الدولية.
ومن هنا، تبرز أهمية «بريكس» كمنصة تسعى الدول الأعضاء من خلالها إلى تعزيز التعاون الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النظام المالي التقليدي، بما يمنح الاقتصادات الناشئة قدرة أكبر على مواجهة الأزمات العالمية.
ركزت الاجتماعات على عدد من القضايا الاقتصادية والاستراتيجية المهمة، أبرزها:
تعزيز التعامل بالعملات المحلية بين دول المجموعة.
تقليل الاعتماد على الدولار في التبادل التجاري.
دعم أمن الطاقة والغذاء للدول الأعضاء.
مواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
توسيع الاستثمارات المشتركة بين دول «بريكس».
تعزيز دور بنك التنمية الجديد في تمويل المشروعات التنموية.
وتحظى هذه الملفات بأهمية كبيرة بالنسبة لمصر، خاصة في ظل سعيها لجذب استثمارات جديدة، وتخفيف الضغوط على النقد الأجنبي، وفتح أسواق أوسع أمام الصادرات المصرية.
تمثل عضوية مصر في «بريكس» فرصة استراتيجية لتعزيز الاقتصاد الوطني على المديين القريب والبعيد.
فعلى المدى القصير، يمكن أن تستفيد القاهرة من زيادة التبادل التجاري مع دول المجموعة، والحصول على تمويلات لمشروعات البنية التحتية، إلى جانب التوسع في استخدام العملات المحلية بما يخفف الضغط على الدولار.
أما على المدى الطويل، فإن مصر تراهن على تحويل عضويتها داخل «بريكس» إلى بوابة لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للتجارة والطاقة والخدمات اللوجستية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي وقناة السويس.
وأرى ان التحركات المصرية داخل «بريكس» تؤكد أن القاهرة تدرك جيدًا طبيعة التحولات الجارية في العالم، وأن التكتلات الاقتصادية الكبرى أصبحت عنصرًا أساسيًا في حماية المصالح الوطنية للدول.
كما أن مشاركة الوزير بدر عبد العاطي ولقاءاته الثنائية، خاصة مع وزير الخارجية الروسي، تعكس رغبة مصر في لعب دور متوازن وفاعل وسط أجواء دولية مضطربة، مع الحفاظ على سياسة تقوم على تنويع الشراكات والانفتاح على مختلف القوى الدولية.
وفي ظل المخاوف المرتبطة بمضيق هرمز واحتمالات التصعيد مع إيران، تبدو قمة «بريكس» أكثر من مجرد اجتماع اقتصادي، بل منصة سياسية واستراتيجية تبحث عن صياغة توازنات جديدة في عالم يمر بمرحلة شديدة الاضطراب والتغير.



