
تتقدم وترتقى الامم بالضمائر الحية
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا يا عباد الله أنه لم تتقدم وترتقى الأمم إلا بالضمائر اليقظة فلنعود الى الوراء الى زمن الصحابة الكرام الذين تربوا فى مدرسة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، ولننظر الى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، عندما كان يتفقد عمر رضي الله عنه رعيته فيجلس عند جدار بيت، فيسمع المرأة وهي تكلم ابنتها وتقول ضعي الماء على اللبن ليزداد فنبيعه، فتقول الفتاة يا أماه، هذا أمر لا يرضاه أمير المؤمنين عمر، فتقول الأم وما يدري أمير المؤمنين بما نصنع، فتقول الفتاة إن كان أمير المؤمنين لا يعلم، فرب أمير المؤمنين يعلم، وعمر الفاروق رضي الله عنه يسمع ذلك الحوار، فيصبح الصباح ويرسل إلى أهل هذا البيت، ليخطب تلك الفتاة صاحبة الضمير الحي إلى ولده عاصم، فيرزقهم الله ذرية مباركة، يخرج منها الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، وإن من الآداب التي حث عليها الإسلام هو اتقان العمل فعلي المسلم أن يتقن في عمله.
وتلك صفة عظيمة في حياة المؤمن، لذلك كانت مطالبة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإتقان في الأعمال، فقد قال “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه” وكما أن يكون العامل قويا وأمينا، وكما أن من آداب العمل في الإسلام أن يكون العامل قويا أمينا، والقوة تتحقق بأن يكون عالما بالعمل الذي يسند إليه، وقادرا على القيام به، وأن يكون أمينا على ما تحت يده، فقال الله تعالى ” إن خير من استأجرت القوي الأمين” وكما أن من الآداب في الإسلام هو الرحمة والتراحم فيما بيننا، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال دخلنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم على ولده إبراهيم وهو يحتضر فجعلت عينا رسول الله تبكيان، فقال عبدالرحمن بن عوف وأنت رسول الله؟ فقال “يا ابن عوف إنها رحمة” ثم قال “إن العين لتدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون” .
بل كان صلى الله عليه وسلم يُقعد أسامة بن زيد على فخذه ويقعد الحسن على فخذه الأخرى ثم يضمهما ويقول “اللهم ارحمهما فإني ارحمهما” بل تعدى الأمر من الرحمة بالبشر الى الرحمة بالبهائم، فقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطا لرجل من الأنصار فإذا جمل فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حن وذرفت عيناه فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح ذفراه فسكت فقال “من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال لي يا رسول الله فقال “أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه” رواه أبو داود، فاللهم صلي عليه صلاة ذاكية نامية ما دامت الأرض والسماء، فهو الذي أرسل عددا من أصحابه رسلا لدعوة الملوك والأمراء إلى توحيد الله سبحانه وتعالي، فمن الملوك من أسلم ومنهم بقي على دينه، ويذكر من تلك الدعوات هو إرسال الصحابي عمرو بن أميّة الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة.
والصحابي حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك مصر، والصحابي عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس، والصحابي دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم، والصحابي العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي ملك البحرين، والصحابي سليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي صاحب اليمامة، والصحابي شجاع بن وهب من بني أسد بن خزيمة إلى الحارث بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق، والصحابي عمرو بن العاص إلى ملك عُمان جيفر وأخيه.




