
اليوم لن أتحدث عن أخلاق ولا صفات، ولكن أتحدث عن شخصية فذة أعدها علماء العالم كله أعظم شخصية في التاريخ البشري، إنه الحبيب سيدنا محمد صل الله عليه وسلم. فحين نستعرض حياة النبي محمد صل الله عليه وسلم، نجد دلائل عظمة تلك الشخصية، النبي الأمي الذي رباه ربه وعلمه، فأحسن تربيته وتعليمه.
لقد كانت البشرية قبل بزوغ فجر النبوة تترنح في دياجير الجهالة، وتائهة في قفار الضياع الروحي والأخلاقي، حتى أشرقت شمس الرسالة المحمدية من وادٍ غير ذي زرع، لتنسخ ظلمات القرون، وتُعيد صياغة الوجدان الإنساني على قيم الحق والعدل والجمال. وحين يقف المتأمل أمام مجرى التاريخ البشري، لا يسعه إلا أن ينحني إجلالاً أمام هذه العبقرية الفذة التي لم تجد البشرية لها نظيراً؛ فما بين أُميةٍ نشأت في أحضان الصحراء، وسيادةٍ روحية ودنيوية دانت لها أقطار الأرض، تتجلى المعجزة الإلهية في ذات النبي الذي أدّبه ربه فأحسن تأديبه، وجعل من سيرته منارةً تستضاء بها العقول، وملاذاً تهتدي به الأرواح في حياته وبعد رحيله إلى الرفيق الأعلى.
إن تفرد الرسول الكريم صل الله عليه وسلم لم يكن يوماً محل إقرار من أتباعه فحسب، بل كان وما زال محط دهشة وإعجاب وإقرار فلاسفة الغرب وعلماء الشرق على حد سواء؛ إذ تضافرت شهادات المفكرين والمؤرخين من مختلف المشارب والقرون على أن هذا النبي الأمي هو الذروة التي لم تبلغها الإنسانية في تاريخها الممتد.
وفي طليعة هؤلاء العلماء والمؤرخين، برز عالم الفلك والرياضيات الأمريكي مايكل هارت في كتابه الشهير “الخالدون مائة”، حيث وضع النبي محمداً صل الله عليه وسلم على رأس قائمة عظماء البشرية طراً، مبرراً هذا الاختيار العلمي المجرد بقوله: إن اختياري محمداً ليكون في رأس القائمة قد يدهش بعض القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحاً مطلقاً على المستويين الديني والدنيوي. لقد رأى هارت أن الأثر الذي تركه النبي في التاريخ يفوق أثر سائر المصلحين والقادة، لكونه أسس ديناً وحضارة ودولة في آنٍ واحد.
ولم يكن الفيلسوف والشاعر الفرنسي الكبير ألفونس دي لاماتين أقل انبهاراً وتدقيقاً، حيث صاغ مقياساً عبقرياً لتقييم العظمة الإنسانية في كتابه “تاريخ تركيا” قائلاً: إذا كانت عظَمة الهدف، وقلة الوسائل، والنتائج المذهلة هي المعايير الثلاثة لعبقرية البشر، فمن ذا الذي يجرؤ على مقارنة أي رجل عظيم في التاريخ الحديث بالنبي محمد؟ وتساءل مستنكراً إن كان هناك من هو أعظم منه، ليجيب مؤكداً أن النبي محمد هو الفيلسوف، والخطيب، والرسول، والمشرع، والمحارب، وهادم الأفكار الباطلة، ومؤسس الفكر العقلاني، وباني عشرين إمبراطورية روحية وإمبراطورية أرضية واحدة.
أما بروفيسور الفلسفة الألماني الشهير فريدريك نيتشه، فرغم مواقفه النقدية الحادة تجاه العديد من الأديان والمؤسسات، إلا أنه أظهر تقديراً عميقاً للحضارة الإسلامية ولشخصية الرسول، معتبراً الإسلام ديناً يغرس طاقة حيوية وقوة في النفس، ومثنياً على شجاعة النبي وقدرته الفذة على قيادة الرجال وبناء مجتمع مترابط وقوي يعتمد على العقل والواقعية.
وينضم إلى هذا المحفل الفكري الفيلسوف والمؤرخ البريطاني توماس كارلايل، الذي خصص فصلاً كاملاً للنبي في كتابه الشهير “الأبطال وعبادة البطل”، حيث فند الافتراءات الغربية التي حاولت النيل من الرسول، ووصفه بـ”البطل في صورة رسول”، قائلاً: إن من أكاذيب هذا العصر التي ما زالت رخيصة في صدورنا، هي الزعم بأن هذا الرجل كاذب ومخادع. إنني لا أستطيع أن أرى في هذا الرجل إلا الصدق المحض، فالرجل العظيم الصادق هو شهاب من السماء، أضاء العالم بأسره، بينما بقية الناس ينتظرونه ليستضيئوا بنوره.
وفي السياق ذاته، يقدم المؤرخ والمفكر الإنجليزي إدوارد جيبون في كتابه “تاريخ سقوط الإمبراطورية الرومانية” رؤية تحليلية مبهرة لعظمة النبي، مؤكداً أن الإنجاز المحمدي يتجاوز مجرد المعجزات المادية؛ فثبات عقيدته ونقاء التوحيد الذي جاء به دون شوائب هو المعجزة الحقيقية. ويقول جيبون: إن أروع ما في سيرة محمد هو ثبات عقيدته؛ فالشهادة التي نطق بها لتوحيد الله لم تتبدل ولم تغير طوال حياته، وظل الإيمان بالله الأحد هو المبدأ الحاكم لدعوته.
بينما يرى الكاتب والمفكر الأيرلندي الكبير جورج برنارد شو في كتابه “الإسلام الحقيقي” أن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى رجل في حكمة محمد وعقليته، حيث قال بعبارته الاستشرافية البليغة: لقد درست حياة هذا الرجل العجيب، وفي رأيي أنه يجب أن يُسمى منقذ البشرية. وأعتقد أنه لو تولى رجل مثله حكم العالم الحديث، لنجح في حل مشكلاته بطريقة تجلب للعالم السلام والسعادة التي هو في أشد الحاجة إليها. وتنبأ شو بأن دين محمد سيكون المقبول لدى أوروبا في المستقبل القريب نظراً لمرونته وقدرته الجاذبة لكل العصور.
ولا يفوتنا هنا ذكر المستشرق والمفكر الإنجليزي ويليام مونتغمري وات، الذي أفرَد دراسات معمقة لسيرة الرسول، وخلص إلى أن الشك في صدق إخلاص النبي هو أمر مستحيل علمياً، مؤكداً أن الاستعداد التام لمواجهة الاضطهاد من أجل مبادئه، والنبل الأخلاقي الذي عيَّن به أتباعه، والنجاح الهائل الذي حققه، كلها أدلة دامغة على أنه كان يتحرك بوعيٍّ رساليٍّ عميق وقوة داخلية لا يملكها إلا الأنبياء.
وحتى في أروقة القانون والسياسة، نجد المفكر الدستوري الإنجليزي جون ديفن بورت يؤكد في مؤلفاته أن محمداً صل الله عليه وسلم هو المصلح الأعظم الذي حرر العقل البشري من الخرافات والعبودية، وقدم للبشرية نظاماً تشريعياً يفوق ما قدمته الحضارات الرومانية واليونانية مجتمعة. وفي ذات المنحى ذهب الفيلسوف الروسي الشهير ليو تولستوي، الذي أبدى إعجاباً منقطع النظير بتعاليم الرسول، معتبراً إياه من أعظم المصلحين الذين خدموا الإنسانية خدمة جليلة، حيث أنقذ أمة كاملة من التوحش وسفك الدماء، وفتح أمامها طريق الرقي والتقدم.
إن هذه الشهادات المتواترة من أساطين الفكر الغربي، ممن لم تجمعهم عاطفة دينية ولا ثقافة مشتركة مع الإسلام، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن العظمة المحمدية هي حقيقة تاريخية ساطعة كالشمس في رابعة النهار. لقد رأوا فيه القائد الذي جمع بين مثالية المبادئ وواقعية التطبيق، والمشرّع الذي وضع أسس العدالة الاجتماعية، والأب الرحيم الذي فاضت إنسانيته على البشرية جمعاء؛ ليبقى الحبيب المصطفى، النبي الأمي الذي علمه ربه، النموذج الأسمى الذي تتطلع إليه الإنسانية في كل زمان ومكان.



