
مرثيةُ الأُسرة الأخيرة
يا سائلي عمّا يُدبَّرُ في الخفا
ويُدارُ خلفَ الستـرِ والتمثيلِ
ليسَ الخرابُ بأنْ تُدكَّ مدائنٌ
أو يُستباحَ ترابُ كلِّ قبيلِ
بل أنْ يُفكَّكَ بيتُ أمٍّ هادئٍ
ويُهدَمَ الإنسانُ قبلَ النيلِ
أنْ يُنزَعَ الأبُ الوقورُ من المدى
ويُقالَ: لا جدوى من التأصيلِ
أنْ تستحيلَ الأمُّ مجرّدَ خادمٍ
في بيتِ قهرٍ باردِ التشغيلِ
أنْ يُزرَعَ الشكُّ الثقيلُ بخافقٍ
ويُباعَ حبُّ الناسِ بالتضليلِ
أنْ يصبحَ الأخُ الغريبُ لِأخيهِ
ويُقاسَ قدرُ المرءِ بالتحصيلِ
أنْ تُختزلْ مصرُ العريقةُ كلُّها
في لاعبٍ… أو راقصٍ… أو مِيلِ
أنْ يُترَكَ التاريخُ يذبلُ صامتًا
ويُربَّى جيلٌ بلا تكميلِ
جيلٌ يُصفّقُ للفراغِ كأنَّهُ
فتحُ الحضارةِ آخرُ التنزيلِ
لا يعرفُ النوبـةَ ماذا قدَّموا
أو كيفَ سالَ الدمُّ في بورسعيدِ
لا يذكرُ العمّالَ حينَ توحّدوا
أو صيحةَ الفقراءِ في التنكيلِ
لا يعرفُ الأقصى، ولا معنى الفدا
ولا وجوهَ الجيشِ في التبجيلِ
لكنَّهُ يحيا أسيرَ شاشةٍ
عمياءَ تُغرقُهُ ببحرِ ذهولِ
هذي الحروبُ الجديدةُ لم تكنْ
بالنارِ… بل بالأفكارِ والعَزلِ الطويلِ
أنْ يُنزَعَ الإيمانُ من لغةِ المدى
ويُعادَ تشكيلُ الوعيِ كالعجينِ
ويُقالَ: “هذي الحريةُ الكبرى” وما
هي غيرُ قيدٍ ناعمِ التمثيلِ
مَن خلفَ هذا؟
ليسَ وجهًا واحدًا
يمشي فنلعنهُ بلفظِ جهولِ
بل منظومةٌ
تخشى اجتماعَ قلوبِنا
فتُفتّتُ الأرواحَ بالتفصيلِ
تعرفُ أنّ الشعبَ حينَ توحَّدَتْ
أحلامُهُ… استعصى على التنكيلِ
لذلكَ استهدفوا البيوتَ لأنّها
آخرُ الحصونِ بوجهِ كلِّ دخيلِ
لكنَّ مصرَ — وإنْ تكسّرَ وجهُها —
تبقى كطينِ النيلِ غيرَ ذليلِ
فيها من التاريخِ نارُ كرامةٍ
لا تنطفي مهما ادلهمَّ الليلُ
بورسعيدُ، النوبـةُ الخضراءُ، والـ
صعيدُ، وجهُ البحرِ، أهلُ النيلِ
كلٌّ بهم حملَ البلادَ كأنَّهم
جسدٌ يُقاومُ عاصفَ التأويلِ
فالليلُ مهما طالَ لا يُفني المدى
والشعبُ يبقى رغمَ كلِّ محيلِ
إنَّ الخرابَ وإنْ تطاولَ عمرُهُ
فالنورُ يولدُ من رحمْ التهويلِ
والفجرُ ليسَ يجيءُ فجأةَ إنَّما
يأتي على مهلٍ… كحلمِ نبيلِ.



