
لقد كانت الحكمة من زواج النبي صلى الله عليه وسلم، من السيدة صفية بنت حيي، هو أن الإسلام يحفظ للإنسان مكانته، ولا ينقص منها بل يزيدها، ومَن كان شريفا قبل إسلامه يزداد شرفا بالإسلام، ومَن كان عزيزا ازداد عزَّة في الإسلام، وإذا نظرنا إلى حياة السيدة صفية رضي الله عنها، قبل الإسلام وجدناها سيِدة في قومها، فهي ابنة أحد الزعماء المشهورين حيي بن أخطب، زعيم بني النضير، وكما أنها كانت زوجة أحد الزعماء المشهورين أيضا وهو كنانة بن أبي الحُقَيق، وفي زواج السيدة صفية رضي الله عنها من زعيم المسلمين الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو أكبر تشريف لها وأعظمه، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، حليما بالسيدة صفية رضي الله عنها، محبا ومُكرما لها.
فقد بلغ صفية أن السيده حفصة رضي الله عنها، قالت بنت يهودى، فبكت، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي تبكي، فقال ” ما يبكيك؟” قالت، قالت لي حفصة بنت عمر إني ابنة يهودي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، للسيده صفيه ” إنك لإبنة نبى وإن عمك لنبى، وإنك لتحت نبى، ففيم تفخر عليك ” ثم قال صلى الله عليه وسلم ” اتقى الله يا حفصه ” وقد حج النبي صلى الله عليه وسلم، بنسائه، حتى إذا كان ببعض الطريق نزل رجل فساق بهن ويعني النساء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” كذلك سوقك بالقوارير ” ويعني بالنساء، فبينما هم يسيرون بَرك بصفية جملها، وكانت من أحسنهن ظهرا، فبكت، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين أخبر بذلك، فجعل يمسح دموعها.
وجعلت تزداد بكاء وهو ينهاها، فلما أكثرت زجرها وانتهرها، وأمر الناس فنزلوا، ولم يكن يريد أن ينزل، قالت فنزلوا، وكان يومي، فلما نزلوا ضُرب خباء النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل فيه، فلم أدر علام أهجم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخشيت أن يكون في نفسه شيء، فانطلقت إلى عائشة، فقلت لها تعلمين أني لم أكن أبيع يومي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بشيء أبدا، وإني قد وهبت يومي لك على أن ترضي رسول الله صلى الله عليه وسلم، عني، قالت نعم، قالت فأخذت عائشة خمارا لها قد ثردته، بزعفران، ورشته بالماء لتزكي ريحه، ثم لبست ثيابها، ثم انطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفعت طرف الخباء، فقال لها صلى الله عليه وسلم ” ما لك يا عائشه، إن هذا ليس يومك؟
قالت ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ” فقال مع أهله ” فلما كان عند الرواح، قال لزينب بنت جحش ” أفقرى لأختك صفيه جميلا ” وكانت من أكثرهن ظهرا، فقالت أنا أفقر يهوديتك، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين سمع ذلك منها، فهجرها، فلم يكلمها حتى قدم مكة وأيام مِنى من سفره حتى رجع إلى المدينة والمحرَّم وصفر، فلم يأتها ولم يقسم لها، فأيِست منه، فلما كان شهر ربيع الأول دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأت ظله، فقالت إن هذا الظل ظل رجل، وما يدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم، فمن هذا؟ فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأته قالت رسول الله، ما أدري ما أصنع حين دخلت عليَّ وكانت لها جارية تخبئها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت فلانة لك.



