عربي وعالمي
من فيينا إلى أفريقيا 2063.. كيف أصبحت التنمية لغة الدبلوماسية الأفريقية الجديدة؟
بقلم هاله المغاورى فيينا

لم يعد الاحتفال بيوم أفريقيا مجرد مناسبة سنوية تستعيد ذكرى تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963، أو مناسبة لرفع الأعلام وإلقاء الكلمات الدبلوماسية التقليدية. فما شهدته قاعة الأمم المتحدة في فيينا هذا العام كشف عن تحول واضح في الخطاب الأفريقي، وانتقاله من التركيز على الشعارات السياسية إلى تبني خطاب عملي يقوم على التنمية والشراكات الدولية والابتكار باعتبارها أدوات لبناء مستقبل القارة.
الرسالة الأبرز التي خرج بها الاحتفال لم تكن الاحتفاء بالماضي، وإنما الحديث عن المستقبل. ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يختار الاتحاد الأفريقي شعار «ضمان توافر المياه بشكل مستدام وأنظمة صرف صحي آمنة لتحقيق أهداف أجندة أفريقيا 2063»، لأن المياه أصبحت اليوم واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بالأمن القومي والتنمية والاستقرار، ليس في أفريقيا وحدها، بل في العالم بأسره.
وقد نجحت مصر، بصفتها الرئيس الحالي للمجموعة الأفريقية في فيينا، في توجيه بوصلة الاحتفال نحو هذه الرسائل الاستراتيجية. ففي كلمته، لم يكتفِ السفير محمد نصر بالحديث عن التضامن الأفريقي باعتباره قيمة سياسية، بل أعاد تعريفه باعتباره أداة لتحقيق التنمية، مؤكدًا أن وحدة الموقف الأفريقي هي السبيل إلى تنفيذ أجندة أفريقيا 2063 وتعزيز حضور القارة في النظام الدولي.
لفترة طويلة ارتبط الخطاب الأفريقي في المحافل الدولية بقضايا التحرر الوطني، وإنهاء الاستعمار، والمطالبة بإصلاح النظام الدولي. ورغم استمرار أهمية هذه الملفات، فإن الاحتفال في فيينا كشف عن تحول نوعي في الأولويات.
فالمتحدثون لم يركزوا على الأزمات والصراعات بقدر ما ركزوا على الاستثمار، والتكنولوجيا، والطاقة، والتصنيع، والمياه، والفضاء، والتحول الرقمي. وهذه ليست مجرد مصطلحات تنموية، بل تعكس رؤية جديدة تعتبر الاقتصاد هو المدخل الحقيقي لتعزيز مكانة أفريقيا على الساحة الدولية.
ولهذا جاءت كلمات مسؤولي الأمم المتحدة متكاملة مع الرؤية الأفريقية؛ إذ ربطت بين الأمن المائي، والصحة، والتعليم، والغذاء، والتغير المناخي، باعتبارها ملفات مترابطة لا يمكن التعامل معها بصورة منفصلة.
اختيار المياه شعارًا ليوم أفريقيا هذا العام لم يكن اختيارًا عابرًا. فالقارة تضم بعضًا من أكبر الأحواض والأنهار في العالم، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات متزايدة بسبب تغير المناخ، والنمو السكاني، وضعف البنية التحتية.
ولهذا ركزت مونيكا جوما، المديرة العامة لمكتب الأمم المتحدة في فيينا، على أن المياه لم تعد مجرد مورد طبيعي، وإنما أصبحت قضية تتعلق بالكرامة الإنسانية، والأمن الغذائي، والإنتاج الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي.
وتعكس هذه الرسالة إدراكًا متزايدًا بأن مستقبل التنمية في أفريقيا سيقاس بقدرة الدول على إدارة مواردها المائية بكفاءة، وجذب الاستثمارات اللازمة لتطوير شبكات المياه والصرف الصحي، وهو ما يجعل الأمن المائي جزءًا من الأمن القومي الأفريقي.
من اللافت أيضًا أن كلمات الاحتفال لم تقتصر على القضايا التقليدية، بل تناولت موضوعات مثل الفضاء، والأقمار الصناعية، والاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
فعندما تحدثت آرتي هاولا مايني عن دور الأقمار الصناعية في إدارة الموارد المائية، ومواجهة الكوارث، وتحسين الزراعة، كانت ترسل رسالة مفادها أن التكنولوجيا أصبحت عنصرًا أساسيًا في التنمية، وليست رفاهية تقتصر على الدول المتقدمة.
والأمر نفسه ينطبق على برامج الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي باتت تركز على توظيف التكنولوجيا النووية في الزراعة، والصحة، وإدارة المياه، بما يخدم أهداف التنمية المستدامة في القارة.
من الرسائل المهمة أيضًا ما أعلنه ممثل الخارجية النمساوية بشأن إطلاق أول استراتيجية نمساوية شاملة للتعاون مع أفريقيا.
هذه الخطوة تعكس تغيرًا في النظرة الأوروبية إلى القارة، التي لم تعد تُرى باعتبارها متلقية للمساعدات، وإنما شريكًا اقتصاديًا واستثماريًا يمتلك واحدًا من أسرع الاقتصادات نموًا في العالم، وسوقًا تضم أكثر من مليار نسمة، وموارد طبيعية هائلة.
وبالتالي، فإن التنافس الدولي على تعزيز العلاقات مع أفريقيا سيزداد خلال السنوات المقبلة، خاصة في مجالات الطاقة النظيفة، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، والمعادن الاستراتيجية.
برزت مصر خلال الاحتفال ليس فقط بصفتها الدولة المنظمة، وإنما باعتبارها رئيس المجموعة الأفريقية في فيينا، وهو ما منحها مساحة مهمة لتنسيق المواقف الأفريقية داخل المنظمات الدولية.
كما عكس تنظيم الاحتفال داخل مقر الأمم المتحدة قدرة الدبلوماسية المصرية على توظيف المنصات متعددة الأطراف لخدمة أولويات القارة، وإبراز أن التعاون الدولي يمثل عنصرًا أساسيًا في تنفيذ أجندة أفريقيا 2063.
ربما تنتهي مراسم الاحتفال في يوم واحد، لكن الرسائل التي خرجت من فيينا ستظل حاضرة خلال السنوات المقبلة.
فالحديث عن المياه، والتصنيع، والطاقة النظيفة، والفضاء، والابتكار، يعكس إدراكًا أفريقيًا بأن المنافسة في القرن الحادي والعشرين لن تُحسم بالشعارات، وإنما بامتلاك المعرفة، والتكنولوجيا، والاستثمار، والقدرة على بناء شراكات متوازنة مع العالم.
ولعل أهم ما ميّز احتفال هذا العام أنه قدّم صورة مختلفة عن أفريقيا؛ قارة لا تطلب الدعم بقدر ما تبحث عن شراكات، ولا تتحدث عن أزماتها فقط، بل عن فرصها أيضًا.
ومن هنا، فإن الرسالة التي خرجت من فيينا كانت واضحة: إن تحقيق أجندة أفريقيا 2063 يبدأ بوحدة الإرادة، لكنه لا يكتمل إلا بالاستثمار في الإنسان، والمياه، والتكنولوجيا، والشراكات الدولية.



